وفي القصاص حياة على معناها الأشمل الأعم. فالاعتداء على حياة فرد اعتداء على الحياة كلها، واعتداء على كل إنسان حي، يشترك مع القتيل فِي سمة الحياة. فإذا كف القصاص الجاني عن إزهاق حياة واحدة، فقد كفه عن الاعتداء على الحياة كلها. وكان فِي هذا الكف حياة. حياة مطلقة. لا حياة فرد ولا حياة أسرة، ولا حياة جماعة .. بل حياة ..
ثم - وهو الأهم والعامل المؤثر الأول فِي حفظ الحياة - استجاشة شعور التدبر لحكمة الله، ولتقواه: {لعلكم تتقون} ..
هذا هو الرباط الذي يعقل النفوس عن الاعتداء. الاعتداء بالقتل ابتداء، والاعتداء فِي الثأر أخيراً .. التقوى .. حساسية القلب وشعروه بالخوف من الله؛ وتحرجه من غضبه وتطلبه لرضاه.
إنه بغير هذا الرباط لا تقوم شريعة، ولا يفلح قانون، ولا يتحرج متحرج، ولا تكفي التنظيمات الخاوية من الروح والحساسية والخوف والطمع فِي قوة أكبر من قوة الإنسان!
وهذا ما يفسر لنا ندرة عدد الجرائم التي أقيمت فيها الحدود على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد الخلفاء، ومعظمها كان مصحوباً باعتراف الجاني نفسه طائعاً مختاراً .. لقد كانت هنالك التقوى .. كانت هي الحارس اليقظ فِي داخل الضمائر، وفي حنايا القلوب، تكفها عن مواضع الحدود .. إلى جانب الشريعة النيرة البصيرة بخفايا الفطر ومكنونات القلوب .. وكان هناك ذلك التكامل بين التنظيمات والشرائع من ناحية والتوجيهات والعبادات من ناحية أخرى، تتعاون جميعها على إنشاء مجتمع سليم التصور سليم الشعور. نظيف الحركة نظيف السلوك. لأنها تقيم محكمتها الأولى فِي داخل الضمير!