والذي يظهر لنا أن موضع هذه الآية غير موضع آية النفس بالنفس .. وأن لكل منهما مجالاً غير مجال الأخرى. وأن آية النفس بالنفس مجالها مجال الاعتداء الفردي من فرد معين، على فرد معين أو من أفراد معينين على فرد أو أفراد معينين كذلك. فيؤخذ الجاني ما دام القتل عمداً .. فأما الآية التي نحن بصددها فمجالها مجال الاعتداء الجماعي - كحالة ذينك الحيين من العرب - حيث تعتدي أسرة على أسرة، أو قبيلة على قبيلة، أو جماعة على جماعة. فتصيب منها من الأحرار والعبيد والنساء .. فإذا أقيم ميزان القصاص كان الحر من هذه بالحر من تلك، والعبد من هذه بالعبد من تلك، والأنثى من هذه بالأنثى من تلك. وإلا فكيف يكون القصاص فِي مثل هذه الحالة التي يشترك فيها جماعة فِي الاعتداء على جماعة؟
وإذا صح هذا النظر لا يكون هناك نسخ لهذه الآية، ولا تعارض فِي آيات القصاص.
ثم يكمل السياق الحديث عن فريضة القصاص بما يكشف عن حكمتها العميقة وأهدافها الأخيرة:
{ولكم فِي القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} ..
إنه ليس الانتقام، وليس إرواء الأحقاد. إنما هو أجل من ذلك وأعلى. إنه للحياة، وفي سبيل الحياة، بل هو فِي ذاته حياة .. ثم إنه للتعقل والتدبر فِي حكمة الفريضة، ولاستحياء القلوب واستجاشتها لتقوى الله ..
والحياة التي فِي القصاص تنبثق من كف الجناة عن الاعتداء ساعة الابتداء. فالذي يوقن أنه يدفع حياته ثمناً لحياة من يقتل .. جدير به أن يتروى ويفكر ويتردد. كما تنبثق من شفاء صدور أولياء الدم عند وقوع القتل بالفعل. شفائها من الحقد والرغبة فِي الثأر. الثأر الذي لم يكن يقف عند حد فِي القبائل العربية حتى لتدوم معاركه المتقطعة أربعين عاما كما فِي حرب البسوس المعروفة عندهم. وكما نرى نحن فِي واقع حياتنا اليوم، حيث تسيل الحياة على مذابح الأحقاد العائلية جيلا بعد جيل، ولا تكف عن المسيل ..