ومن ثم ندرك سعة آفاق الإسلام؛ وبصره بحوافز النفس البشرية عند التشريع لها؛ ومعرفته بما فطرت عليه من النوازع .. إن الغضب للدم فطرة وطبيعة. فالإسلام يلبيها بتقرير شريعة القصاص. فالعدل الجازم هو الذي يكسر شرة النفوس، ويفثأ حنق الصدور، ويردع الجاني كذلك عن التمادي، ولكن الإسلام فِي الوقت ذاته يحبب فِي العفو، ويفتح له الطريق، ويرسم له الحدود، فتكون الدعوة إليه بعد تقرير القصاص دعوة إلى التسامي فِي حدود التطوع، لا فرضاً يكبت فطرة الإنسان ويحملها ما لا تطيق.
وتذكر بعض الروايات أن هذه الآية منسوخة. نسختها آية المائدة التي نزلت بعدها وجعلت النفس بالنفس إطلاقاً: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس .. الآية} ..
قال ابن كثير فِي التفسير: وذكر فِي سبب نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم. حدثنا أبو زرعة. حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير. حدثني عبد الله بن لهيعة. حدثني عطاء بن دينار. عن سعيد بن جبير فِي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فِي القتلى} - يعني إذا كان عمداً - الحر بالحر ... وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا فِي الجاهلية - قبل الإسلام بقليل. فكان بينهم قتل وجراحات، حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا.
فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر فِي العدة والأموال، فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم، والمرأة منا الرجل منهم .. فنزل فيهم: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} .. منسوخة نسختها: {النفس بالنفس} وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله: {النفس بالنفس} .