فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا وَجْهُ وِصَالِ مَنْ وَاصَلَ؟ فَقَدْ عَلِمْتَ بِمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، يُوَاصِلُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَبَّرَ جَعَلَهَا خَمْسًا، فَلَمَّا كَبَّرَ جِدًّا جَعَلَهَا ثَلَاثًا»
وعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ «كَانَ ابْنُ أَبِي يَعْمَرَ يُفْطِرُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً»
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ، مِمَّنْ يَطُولُ بِذِكْرِهِمُ الْكِتَابُ.
قِيلَ: وَجْهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى طَلَبِ الْخُمُوصَةِ لِنَفْسِهِ، وَالْقُوَّةِ، لَا عَلَى طَلَبِ الْبِرِّ بِفِعْلِهِ. وَفِعْلُهُمْ ذَلِكَ نَظِيرَ مَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْمُرُهُمْ بِهِ بِقَوْلِهِ: «اخْشَوْشِنُوا، وَتَمَعْدَدُوا، وَانْزُوا عَلَى الْخَيْلِ نَزْوًا، وَاقْطَعُوا الرُّكُبَ، وَامْشُوا حُفَاةً» يَأْمُرَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالتَّخَشُّنِ فِي عَيْشِهِمْ لِئَلَّا يَتَنَعَّمُوا فَيَرْكَنُوا إِلَى خَفْضِ الْعَيْشِ وَيَمِيلُوا إِلَى الدَّعَةِ فَيَجْبُنُوا، وَيَحْتَمُوا عَنْ أَعْدَائِهِمْ، وَقَدْ رَغِبَ لِمَنْ وَاصَلَ عَنِ الْوِصَالِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ.
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّ ابْنَ أَبِي نُعَيْمٍ، كَانَ يُوَاصِلُ مِنَ الْأَيَّامِ حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ أَنْ يَقُومَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ «لَوْ أَدْرَكَ هَذَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمُوهُ»
ثُمَّ فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْوِصَالِ الَّتِي يَطُولُ بِإِحْصَائِهَا الْكِتَابُ تَرَكْنَا ذِكْرَ أَكْثَرُهَا اسْتِغْنَاءً بِذِكْرِ بَعْضِهَا، إِذْ كَانَ فِي ذِكْرِ مَا ذَكَرْنَا مُكْتَفًى عَنِ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى كَرَاهَةِ الْوِصَالِ بِغَيْرِهِ.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ،"أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي، وَسَاقٍ يَسْقِيَنِي» "