أَيْضًا قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَقَلَّ مَا يَصِحُّ فِي الْفَرْضِ مِنْ الصَّوْمِ يَوْمٌ كَامِلٌ ، وَفِي الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ ، وَلَا تَصِحُّ النَّوَافِلُ وَلَا تَكُونُ قُرْبَةً إلَّا حَسْبَ مَوْضُوعِهَا فِي الْفُرُوضِ ، بِدَلَالَةِ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِيفَاءِ شُرُوطِهَا ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ صَوْمَ النَّفْلِ مِثْلُ صَوْمِ الْفَرْضِ فِي لُزُومِ الْإِمْسَاكِ عَنْ الْجِمَاعِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ؟ وَكَذَلِكَ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ تَحْتَاجُ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالطَّهَارَةِ وَالسِّتْرِ إلَى مِثْلِ مَا شُرِطَ فِي الْفُرُوضِ ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ الْفَرْضِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا صَوْمُ بَعْضِ يَوْمٍ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ النَّفْلِ ، فَمَتَى دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ثُمَّ أَفْسَدَهُ قَبْلَ إتْمَامِهِ فَقَدْ أَبْطَلَهُ وَأَبْطَلَ ثَوَابَ مَا فَعَلَهُ مِنْهُ ؛ وقَوْله تَعَالَى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} يَمْنَعُ الْخُرُوجَ مِنْهُ قَبْلَ إتْمَامِهِ لِنَهْيِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُ عَنْ إبْطَالِهِ ؛ وَإِذْ أَلْزَمَهُ إتْمَامَهُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ إذَا خَرَجَ مِنْهُ قَبْلَ إتْمَامِهِ مَعْذُورًا كَانَ فِي خُرُوجِهِ أَوْ غَيْرَ مَعْذُورٍ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْبُتَيْرَاءِ"وَهُوَ أَنْ يُوتِرَ الرَّجُلُ بِرَكْعَةٍ فَاقْتَضَى هَذَا اللَّفْظُ إيجَابَ إتْمَامِهَا ، وَإِذَا وَجَبَ إتْمَامُهَا فَقَدْ لَزِمَتْهُ ، فَمَتَى أَفْسَدَهَا أَوْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ.