ثُمَّ إِنَّهَا فِي إِيجَازِهَا قَدِ ارْتَقَتْ أَعْلَى سَمَاءٍ لِلْإِعْجَازِ ، وَكَانُوا يَنْقُلُونَ كَلِمَةً فِي مَعْنَاهَا عَنْ بَعْضِ بُلَغَاءِ الْعَرَبِ يَعْجَبُونَ مِنْ إِيجَازِهَا فِي بَلَاغَتِهَا ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّ الطَّاقَةَ لَا تَصِلُ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ غَايَتِهَا ، وَهِيَ قَوْلُهُمُ: الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ . وَإِنَّمَا فُتِنُوا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ
وَظَنُّوا أَنَّهَا نِهَايَةُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَهُ الْبَيَانُ ، وَيُفْصِحَ بِهِ اللِّسَانُ ; لِأَنَّهَا قِيلَتْ قَبْلَهَا كَلِمَاتٌ أُخْرَى فِي مَعْنَاهَا لِبُلَغَائِهِمْ كَقَوْلِهِمْ: قَتْلُ الْبَعْضِ إِحْيَاءٌ لِلْجَمِيعِ . وَقَوْلِهِمْ: أَكْثِرُوا الْقَتْلَ لِيَقِلَّ الْقَتْلُ . . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ (الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ) أَبْلَغُهَا ، وَأَيْنَ هِيَ مِنْ كَلِمَةِ اللهِ الْعُلْيَا ، وَحِكْمَتِهِ الْمُثْلَى ؟
قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ: وَبَيَانُ التَّفَاوُتِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ قَوْلَهُ: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) أَخْصَرُ مِنَ الْكُلِّ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: (وَلَكُمْ) لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ إِذْ لَا بُدَّ فِي الْجَمِيعِ مِنْ تَقْدِيرِ ذَلِكَ ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ عَلِمْتَ أَنَّ قَوْلَهُ: (فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) أَشَدُّ اخْتِصَارًا مِنْ قَوْلِهِمْ: الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ ; أَيْ لِأَنَّ حُرُوفَهُ أَقَلُّ . (وَثَانِيهَا) أَنَّ قَوْلَهُمُ: الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ ،