ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِشَرْعِيَّةِ الْقِصَاصِ وَبَيَانٌ لِحِكْمَتِهِ ، وَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَعْلِيلَ الْعَفْوِ وَالتَّرْغِيبَ فِيهِ وَالْوَعِيدَ عَلَى الْغَدْرِ بَعْدَهُ عِنَايَةً بِهِ ، وَإِيذَانًا بِأَنَّ التَّرْغِيبَ فِي الْعَفْوِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَصْغِيرَ شَأْنِهِ . وَبَيَانُ الْأَسْبَابِ وَالْحِكَمِ لِوَضْعِ الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ ، كَإِقَامَةِ الْبَرَاهِينِ وَالدَّلَائِلِ لِلْمَطَالِبِ الْعَقْلِيَّةِ ، بِهَذِهِ يُعْرَفُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ ، وَبِتِلْكَ يُعْرَفُ الْعَدْلُ وَمَا يَتَّفِقُ مَعَ الْمَصَالِحِ ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ الْحُكْمُ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ وَأَبْعَثَ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ ، وَأَدْعَى إِلَى الرَّغْبَةِ فِي الْعَمَلِ بِهِ - وَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حِكْمَةَ الْقِصَاصِ بِأُسْلُوبٍ لَا يُسَامَى ، وَعِبَارَةٍ لَا تُحَاكَى ، وَاشْتُهِرَ أَنَّهَا مَنْ أَبْلَغِ آيِ الْقُرْآنِ الَّتِي تُعْجِزُ فِي التَّحَدِّي فُرْسَانَ الْبَيَانِ ، وَمِنْ دَقَائِقِ الْبَلَاغَةِ فِيهَا أَنْ جَعَلَ فِيهَا الضِّدَّ مُتَضَمِّنًا لِضِدِّهِ وَهُوَ الْحَيَاةُ فِي الْإِمَاتَةِ الَّتِي هِيَ الْقِصَاصُ ، وَعَرَّفَ الْقِصَاصَ وَنَكَّرَ الْحَيَاةَ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ فِي هَذَا الْجِنْسِ مِنَ الْحُكْمِ نَوْعًا مِنَ الْحَيَاةِ عَظِيمًا لَا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ ، وَلَا يُجْهَلُ سِرُّهُ .