فإن قيل: لم لا يجوز على هذين الوجهين: أن يكون معطوفاً على ذوي القربى، أي: وآتى المال الصابرين: قيل: لئلاَّ يلزم من ذلك محذورٌ، وهو الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه الذي هو فِي حكم الصِّلة بأجنبيٍّ، وهو"المُوفُونَ"فإن قيل: أليس جاز الفصل بين المبتدأ والخبر بالجملة؛ كقوله: {وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} [الكهف: 30] ثم قال"أُوْلَئِكَ"ففصل بين المبتدأ والخبر.
قلنا: لا يلزم من جواز الفصل بين المبتدأ والخبر جوازه بين الموصول والصِّلة.
التأكيد بالضمير المرفوع المنفصل، لأنَّ طول الكلام أغنى عن ذلك؛ وعلى هذا الوجه: يجوز فِي"الصَّابِرِينَ"وجهان:
أحدهما: النَّصيب؛ بإضمار فعْلٍ؛ لما تقدَّم، قال الخليل: المدح والذمُّ ينصبان على معنى"أَعْني الظريف"وأنكر الفراء ذلك لوجهين.
أحدهما: أنَّ"أَعْنِي"إنما يقع تفسيراً للمجهول، والمدح يأتي بعد المعروف"أعني أخاك"، وهذا مما لم تقله العرب أصلاً.
والثاني: العطف على ذَوِي القُرْبَى، ولا يمنع من ذلك ما تقدَّم من الفصل بالأجنبيِّ، لأن"المُفُونَ"على هذا الوجه داخلٌ فِي الصِّلة، فهو بعضها لا أجنبيٌّ منها.
قوله"إذَا عَاهَدُوا"إذا منصوبٌ بـ"المُوفُونَ"، أي: الموفون وقت العهد، من غير تأخير الوفاء عن وقته، وقرأ الجحدريُّ:"بِعُهُودِهِمْ".
فصل فِي بلاغة قوله"والمُوفُونَ"دون"وأَوْفَى"
قال الرَّاغب: وإنَّما لم يقل"وأوْفَى"؛ كما قال"وأَقَامَ"؛ لأمرين:
أحدهما: اللفظ، وهو أن الصِّلة، متى طالت، كان الأحسن أن يعطف على الموصول، دون الصلة؛ لئلاَّ يطول ويقبح.