عالمين بأن هذا الحكم واجب علينا فِي الظاهر ، وهذه مسلمة قد أحكمت فِي أصول الفقه ، وأما سؤال من سأل من المتكلمين فِي هذه الآية بأنه كيف يأمرنا الشيطان ونحن لا نسمع قوله ولا نرى شخصه ، وما الحكمة فِي إيصال الله - عز وجل - أمر الشيطان إلى نفوسنا ، فهل وما يجري مجراه من الأسئلة سؤال من لم يتخط المحسومات والموهومات إلى باب المعقولات ، ومحال الاشتغال معه [بهذه الحرمات] .
قوله - عز وجل -:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}
الآية (170) - سورة البقرة.
ذمهم الله بأنهم أبطلوا ما خص الله به الإنسان من الفكر والروية وركزه فيه من المعارف ، وذلك أن الله تعالى ميز الإنسان بالفكر ليعرف به الخير من الشر فِي الاعتقاد والصدق من الكذب فِي المقال والجميل من القبيح فِي الفعال لم يتحر الحق والصدق الجميل ، ويتجنب أضدادها ،
وجعل له من نور العقل ما يستغنى به فيدله على معرفة مطلوبه ، فلما حث الناس على تناول الحلال الطيب ، ونهاهم من متابعة الشيطان بين حال الكفار فِي تركهم الرشاد واتباعهم الآباء والأجداد ، ليحذر من الاقتداء بهم تاركين استعمال الفكر الذي هو صورة الإنسان [وحقيقته] ثم قال: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا} أي يتبعونهم وإن كان آباؤهم جهلة - تنبيهاً أنه محال اتباع من لا عقل له ولا اهتداء..
إن قيل: ما فائدة الجمع بين قوله: (يعقلون ، ويهتدون) وأحدهما يغنى عن الآخر ؟