المقصد [بجميع ذلك] متابعة ما يصد عن سبيل الله - عز وجل - ، ونبه بقوله: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} أن عداوته لا تخفى على ذي بصيرة ، وهذا المعنى الذي أراده الشاعر وإن نقل اللفظ إلى الدنيا ، حيث قال:
إذا امتْحَنَ الدُّنْيا لبيبٌ تَكَشَّفتْ ....
لهُ عنْ عدًو فِي ثيابِ صّدِيِق.
وقول آخر:
عمْرِب لقدْ نَصَحَ الزمَانّ وإنهٌ ...
لمنَ العجاَئبَ ناصحٌ لاَ يُشْفِقُ.
قوله - عز وجل:
{إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} الآية (169) - سورة البقرة.
السوء والفحشاء كل قبيح من نحو الزنا ، والسرقة ، والسكر ، والقتل ، والخيانة ، والكذب والحسد والجهل [وكل ما يقال له سوء] يقال له فحشُ ، لكن بنظرين مختلفين ، فإنه سمي سوءاً لاغتمام العاقل به ، والفحشاء بأن يستفحشه ، ونبه تعالى بأن الشيطان داع إلى إتيان الشر والسوء والفحش والتقول على الله عز وجل ،
إن قيل: إن كان التقول على الله عز وجل بما لا يعلم من عمل
الشيطان ، فكيف يصح الحكم بغالب الظن فِي كثير من الأحكام ، فإن عامة فروع الفقه مبنية علي غلبة الظن ، قيل: أما أولاً: فليس ذلك تقولاً على الله تعالى ، وإنما ذاك تقول على أحكام ، وقد فرق المتكلمون
بين الحكمة العلمية وبين الحكمة العملية وقالوا: كل ما كان من الحكمة العلمية ، وهي التي لا عمل لها كالإيمان بالله وملائكة وكتبه ورسله ، فإنه لا يجوز إن يحكم فيه ألا بالعلم المصون عن الشوائب ، وما كان من الحكمة العملية فأصولها كذلك وأما فروعها: فيجور الحكم فيها لغلبة الظن لتفسيح صاحب الشرع لنا فِي ذلك ، فصار حكمنا فليه من هذا الوجه حكماً بالعلم ، لأنه إذا قال لنا: إذا غلب فِي ظنك أن القبلة فِي هذا الجانب ، فصل إليه ، وإذا شهد عندك شاهدان مزكيان فاحكم بشهادتهما صرنا