والمعنى: أي أأنتم أعلم بالمرضِيِّ عند الله، أم الله أعلم بما يرضيه وما يتقبَّله، لا شكّ أنَّ الله هو العليم بذلك دونكم، وقد ارتضى للناس ملة إبراهيم، وأنتم تعترفون بذلك، وكتبكم تصدِّقه قبل أن تجيء اليهودية والنصرانية، فلم لا ترضون لأنفسكم هذه الملة. وقال أبو حيان: والقول في القراءة في {أَأَنْتُمْ} كهو في قوله: {أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} وقد توسَّط السؤال عنه هنا، وهو أحسن من تقدُّمه، نحو: أعلم أنتم أم الله، أو تأخُّره، نحو: أأنتم أم الله أعلم، وهذا تهكُّم بهم؛ لأنّه ليس عندهم علمٌ، والاستفهام في قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ} ؛ لإنكار أن يكون أحدٌ أظلم منه، فهو بمعنى: النفي؛ أي: لا أحد أشدُّ ظلمًا {مِمَّنْ كَتَمَ} ؛ أي: ستر وأخفى عن الناس {شَهَادَةً} ثابتةً {عِنْدَهُ} ؛ أي: عند من كائنةً {مِنَ اللَّهِ} تعالى، فقوله: {عِنْدَهُ} و {مِنَ اللَّهِ} صفتان لشهادة؛ أي: شهادةً حاصلةً عنده، صادرةً من الله تعالى، وهو شهادته تعالى لإبراهيم عليه السلام بدين الإِسلام، والبراءة من اليهودية، والنصرانية، وهم اليهود، وفيه تعريضٌ بكتمانهم شهادة الله لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بالنبوَّة والرسالة في كتبهم، وسائر شهاداته، وتقدَّم الكلام في دفع المعارضة في أفعل التفضيل الجائي بعد الاستفهام، كمن عند قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} فالمراد هنا: لا أحد من الكاتمين أظلم ممن كتم شهادة الله تعالى؛ يعني: يا أهل الكتاب! قد علمتم بشهادةٍ حصلت عندكم، صادرةٍ من الله تعالى، بأنَّ إبراهيم وبنيه كانوا حنفاء مسلمين بأن أخبركم الله بذلك في كتابكم، ثم إنّكم تكتمونها، وتدَّعون خلاف ما شهد الله به في حقِّهم، فلا أحد أظلم منكم، حيث اجترأتم على تكذيب الله تعالى فيما أخبر به في شأن إبراهيم، ومن معه.