لأنَّ الإغراء إذا كان بالظرف والمجرور، لا يجوز حذف ذلك الظرف، ولا المجرور، ولذلك حينَ ذَكَرنا وَجْهَ الإغراء قدَّرنا: الزموا صبغة الله، ومعنى عابدون: موحِّدون، ومنه قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ؛ أي: لِيُوحّدُون. وقيل: مطيعون، متَّبعون ملَّة إبراهيم عليه السلام، وصبغة الله. وقيل: خاضعون، مستكينون في اتباع ملةِ إبراهيم، غير مستكبرين، وهذه أقوالٌ متقاربة.
والمعنى: أي ونحن معاشر المسلمين له تعالى عابدون، ولا نعبد سواه، فلا نتَّخذ الأحبار والرهبان أربابًا يزيدون في ديننا، وينقصون، ويحلُّون، ويحرِّمون، ويَمْحُون مِنْ نفُوسِنا صبغةَ التوحيد، ويُثْبِتُون مكانَها صبغة البشر التي تُفْضِي إلى الإشراك بالله، واتخاذِ الأنداد له، وفي الآية إيماءٌ إلى أنَّ الإِسلام لم يشرع أعمالًا خاصَّةً يتميَّز بها المسلم مِنْ سواه، كما شرع النصارى المعمودية، بل المعوَّل عليه ما صبغ الله به الفطرة السليمة من الإخلاص، وحبِّ الخير، والاعتدال، كما قال تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .