فأخبر الله تعالى: أنَّ دين الإِسلام ليس ما تفعله النصارى. وقيل: إنّه منصوب على كونه بدلًا من {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} وقيل: إنّه منصوبٌ انتصاب المصدر المؤكد عن قوله: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} . وقيل: عن قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} . وقيل عن قوله: {فَقَدِ اهْتَدَوْا} والتقدير: قولوا آمنا بالله، وصبغنا الله صبغةً؛ أي: فطرنا، وخلقنا على استعداد قبول الحق، والإيمان فطرته، فهذا المصدر مفعولٌ مطلق مؤكِّد لنفسه؛ لأنَّه مع عامله المقدَّر بعينه، وقع مؤكّدًا لمضمون الجملة المتقدمة، وهو قوله: {آمَنَّا بِاللَّهِ} ، لا محتمل لها من المصادر إلّا ذلك المصدر؛ لأنَّ إيمانهم بالله يحصل بخلق الله إيّاهم على استعداد اتباع الحق، والتحلِّي بحلية الإيمان. وهذا الوجه؛ أعني: كونه منتصبًا انتصاب المصدر المؤكد عن قوله: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} أحسنها، وأظهرها، لما سيأتي عند قوله: {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} من تنافر آخر الآية لأوَّلها إذ نَصَبْنَا على الإغراء، ولأنَّ نصبه على الإبدال من ملة إبراهيم بعيدٌ؛ لطول الفصل بين البدل والمبدل منه، ويحتمل أن يكون التقدير: طهَّرنا الله تطهيره؛ لأنَّ الإيمان يُطهِّر النفوس من أوضار الكفر، وسمَّاه صبغةً؛ للمشاكلة لما فعلته النصارى، والمشاكلة: هي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوع ذلك الشيء في صحبة الغير، إمَّا بحسب المقال المحقَّق، أو المقدَّر بأن لا يكون ذلك الغير مذكورًا حقيقةً، ويكون في حكم المذكور لكونه مدلولًا عليه بقرينة الحال، فالمشاكلة تجري بين قولين، كما في قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} فإنَّه عبَّر عن ذات الله تعالى بلفظ النفس؛ لوقوعه في صحبة لفظ النفس، وعبَّر هنا عن لفظ الفطرة بلفظ الصبغة؛ لوقوعه في صحبة صبغة النصارى إذ كانوا يشتغلون بصبغ أولادهم في سابع الولادة مكان الختان، للمسلمين بغمسهم في الماء الأصفر الذي