نَقُولُ: نَعَمْ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وَهِيَ تَبِينُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَقُومُ مَقَامَهَا فَنَقُولُ: قَدَّرْنَا لَكُمُ الْمَوْتَ، وَقَدَّرْنَا فِيكُمُ الْمَوْتَ، فَقَوْلُهُ: قَدَّرْنَا فِيكُمْ يُفِيدُ مَعْنَى الْخَلْقِ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ يَسْتَدْعِي كَوْنَهُ ظَرْفًا لَهُ إِمَّا ظَرْفُ حُصُولٍ فِيهِ أَوْ ظَرْفُ حُلُولٍ فِيهِ كَمَا يُقَالُ: الْبَيَاضُ فِي الْجِسْمِ وَالْكَحَلُ فِي الْعَيْنِ، فَلَوْ قَالَ: قَدَّرْنَا فِيكُمُ الْمَوْتَ لَكَانَ مَخْلُوقًا فِينَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا: قَدَّرْنَا لَكُمُ الْمَوْتَ كَانَ ذَلِكَ يُنْبِئُ عَنْ تَأَخُّرِهِ عَنِ النَّاسِ فَإِنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: هَذَا مُعَدٌّ لَكَ كان مَعْنَاهُ أَنَّهُ الْيَوْمَ لِغَيْرِكَ وَغَدًا لَكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ) [آلِ عِمْرَانَ: 140] .
(أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ(63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)
«فَإِنْ قِيلَ» : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الزَّارِعُ، فَكَيْفَ قَالَ تَعَالَى: (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ) [الْفَتْحِ: 29]
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الزَّرْعُ لِلزَّارِعِ» ؟
قُلْنَا قَدْ ثَبَتَ مِنَ التَّفْسِيرِ أَنَّ الْحَرْثَ مُتَّصِلٌ بِالزَّرْعِ، فَالْحَرْثُ أَوَائِلُ الزَّرْعِ، وَالزَّرْعُ أَوَاخِرُ الْحَرْثِ، فَيَجُوزُ إِطْلَاقُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ) بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ: يُعْجِبُ الْحُرَّاثَ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَارِثَ إِذَا كَانَ هُوَ المبتدي، فَرُبَّمَا يَتَعَجَّبُ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهِ مِنْ خُرُوجِ النَّبَاتِ وَالزَّارِعُ لَمَّا كَانَ هُوَ الْمُنْتَهِيَ، وَلَا يُعْجِبُهُ إِلَّا شَيْءٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ الَّذِينَ تَعَوَّدُوا أَخْذَ الْحِرَاثِ، فَمَا ظَنُّكَ بِإِعْجَابِهِ الْحُرَّاثَ؟!
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الزَّرْعُ لِلزَّارِعِ»