وكان ذلك في ليلة الإسراء والمعراج - على الراجح من الروايات - فقد دنا منه - وهو على هيئته التي خلقه الله بها مرة أخرى {عند سدرة المنتهى} .. والسدرة كما يعرف من اللفظ شجرة. فأما أنها سدرة المنتهى. فقد يعني هذا أنها التي ينتهي إليها المطاف. فجنة المأوى عندها. أو التي انتهت إليها رحلة المعراج. أو التي انتهت إليها صحبة جبريل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث وقف هو وصعد محمد - صلى الله عليه وسلم - درجة أخرى أقرب إلى عرش ربه وأدنى.. وكله غيب من غيب الله ، أطلع عليه عبده المصطفى ، ولم يرد إلينا عنه إلا هذا. وكله أمر فوق طاقتنا أن ندرك كيفيته. فلا يدركها الإنسان إلا بمشيئة من خالقه وخالق الملائكة ، العليم بخصائص الإنسان وخصائص الملائكة..
ويذكر ما لابس هذه الرؤية عند سدرة المنتهى. زيادة في التوكيد واليقين: {إذ يغشى السدرة ما يغشى} .. مما لا يفصله ولا يحدده. فقد كان أهول وأضخم من الوصف والتحديد.
وكان ذلك كله حقاً يقيناً: {ما زاغ البصر وما طغى} .. فلم يكن زغللة عين ، ولا تجاوز رؤية. إنما هي المشاهدة الواضحة المحققة ، التي لا تحتمل شكاً ولا ظناً. وقد عاين فيها من آيات ربه الكبرى ، واتصل قلبه بالحقيقة عارية مباشرة مكشوفة.
فالأمر إذن - أمر الوحي - أمر عيان مشهود. ورؤية محققة. ويقين جازم. واتصال مباشر. ومعرفة مؤكدة. وصحبة محسوسة. ورحلة واقعية. بكل تفصيلاتها ومراجعها.. وعلى هذا اليقين تقوم دعوة {صاحبكم} الذي تنكرون عليه وتكذبونه وتشككون في صدق الوحي إليه. وهو صاحبكم الذي عرفتموه وخبرتموه وما هو بغريب عنكم فتجهلوه. وربه يصدقه ويقسم على صدقه. ويقص عليكم كيف أوحى إليه. وفي أي الظروف. وعلى يد من وكيف لاقاه. وأين رآه!