الثالث: أنَّ"مَثَل الجنة"مبتدأٌ ، والخبر قولُه:"فيها أنهارٌ"، وهذا ينبغي أَنْ يمتنعَ ؛ إذ لا عائدَ من الجملةِ إلى المبتدأ ، ولا ينْفَعُ كونُ الضميرِ عائداً على ما أُضيف إليه المبتدأ . الرابع: أنَّ"مَثَل الجنة"مبتدأٌ ، خبرُه" {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النار} ، فقَدَّره ابنُ عطية:"أمَثَلُ أهلِ الجنة كمَنْ هو خالدٌ"، فقدَّر حرفَ الإِنكارِ ومضافاً ليصِحَّ . وقدَّره الزمخشري:"أَمَثَلُ الجنةِ كمَثَلِ جزاءِ مَنْ هو خالدٌ " . والجملةُ مِنْ قولِه:"فيها أنهارٌ"على هذا فيها ثلاثةُ أوجهٍ ، أحدها: هي حالٌ من الجنة أي: مستقرَّةٌ فيها أنهارٌ . الثاني: أنها خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ أي: هي فيها أنهارٌ ، كأنَّ قائلاً قال: ما مَثَلُها؟ فقيل: فيها أنهار . الثالث: أَنْ تكونَ تكريراً للصلة ؛ لأنَّها في حكمِها ألا ترى إلى أنَّه يَصِحُّ قولُك: التي فيها أنهار ، وإنما عَرِيَ قولُه: " مَثَلُ الجنةِ"من حرفِ الإِنكار تصويراً لمكابرةِ مَنْ يُسَوِّي بين المُسْتَمْسِكِ بالبيِّنَةِ وبين التابِع هواه كمَنْ يُسَوِّي بين الجنة التي صفتُها كيتَ وكيتَ ، وبين النارِ التي صفتُها أَنْ يُسْقَى أهلُها الحميمَ . ونظيرُه قولُ القائلِ:"
4056 أَفْرَحُ أَنْ أُرْزَأَ الكرامَ وأَنْ ... أُوْرَثَ ذَوْداً شَصائِصاً نَبْلا
هو كلامٌ مُنْكِرٌ للفرح برُزْئِه الكرامَ ووِراثةِ الذَّوْدِ ، مع تَعَرِّيه من حرف الإِنكارِ ، ذكر ذلك كلَّه الزمخشريُّ بأطولَ مِنْ هذه العبارةِ .
وقرأ عليُّ بن أبي طالب"مثالَ الجنةِ". وعنه أيضاً وعن ابن عباس وابن مسعود"أمثالُ"بالجمع .