إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عن طريق الحق، قيل: إنهم المشركون كفار قريش وهم المطعمون يوم بدر، والراجح أنهم أهل الكتاب يهود بني قريظة وبني النضير، لأن اللَّه ذكر المشركين في أول السورة، ثم ذكر المنافقين وَشَاقُّوا الرَّسُولَ خالفوه، بأن صاروا في شق وجانب، وهو في شق وجانب آخر مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى وهو معنى سبيل اللَّه أي طريق الحق، وهذا يؤيد أن الآية في أهل الكتاب، تبين لهم في كتبهم صدق محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً بكفرهم وصدهم عن سبيل اللَّه، وهو تهديد معناه: هم يظنون أن ذلك الشقاق مع الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم، والواقع أنه مع اللَّه تعالى، فإن محمدا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ما عليه إلا البلاغ، فإن ضروا ضروا الرسل، واللَّه منزه عن أن يتضرر بكفر كافر وفسق فاسق وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ أي يبطل أعمالهم الخيرية من صدقة وصلة رحم ونحوها، فلا يرون لها في الآخرة ثوابا، فيكون المعنى: يبطل حسنات أعمالهم بكفرهم ومشاقتهم ومعاداتهم الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم.
وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ لا تبطلوا ثواب أعمالكم بما أبطل به هؤلاء، كالكفر والنفاق والعجب والرياء والمن والأذى ونحوها، قال البيضاوي: وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر.
وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عن طريق الحق والهدى ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ، فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ هذا عام في كل من مات على كفره، وإن صح نزوله في أصحاب القليب (البئر غير المطوية) يوم بدر.
فَلا تَهِنُوا لا تضعفوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ بكسر السين وفتحها، أي إلى الصلح خورا وتذللا مع الكفار إذا لقيتموهم، وقرئ: ولا تدّعوا: من ادّعى بمعنى دعا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ الأغلبون القاهرون وَاللَّهُ مَعَكُمْ بالعون والنصر، أي ناصركم وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ لن يضيع ثواب أعمالكم ولن ينقصها، يقال: وتره حقّه، أي نقصه، ومنه
قوله صلّى اللَّه عليه وسلّم فيما أخرجه النسائي عن نوفل بن معاوية: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله»