قال الإمام أحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدثنا أبو قدامة ، حدثنا وكيع ، حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب ، كما لا ينفع مع الشرك عمل ، فنزلت: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، ولا تبطلوا أعمالكم} .. فخافوا أن يبطل الذنب العمل.
وروي من طريق عبد الله بن المبارك ، أخبرني بكر بن معروف ، عن مقاتل بن حيان ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول ، حتى نزلت {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} .. فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش. حتى نزل قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك. فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش ونرجو لمن لم يصبها."
ومن هذه النصوص يتجلى كيف كانت نفوس المسلمين الصادقين تتلقى آيات القرآن: كيف تهتز لها وتضطرب ، وكيف ترتجف منها وتخاف ، وكيف تحذر أن تقع تحت طائلتها ، وكيف تتحرى أن تكون وفقها ، وأن تطابق أنفسها عليها.. وبهذه الحساسية في تلقي كلمات الله كان المسلمون مسلمين من ذلك الطراز!
ثم بين الله لهم في الآية التالية مصير الذين يشاقون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويخرجون عن طاعته ، ثم يصرون على هذا ، ويذهبون من هذه الأرض كافرين:
{إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ، ثم ماتوا وهم كفار ، فلن يغفر الله لهم} ..
فالفرصة متاحة فقط للمغفرة في هذه الدنيا ؛ وباب التوبة يظل مفتوحاً للكافر والعاصي حتى يغرغر. فإذا بلغت الروح الحلقوم فلا توبة ولا مغفرة ، فقد ذهبت الفرصة التي لا تعود.