{بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين} ..
وكأنه بهذا الإضراب يقول: لندع حديث إبراهيم ، فما لهم به صلة ولا مناسبة ؛ ولننظر في شأن هؤلاء وهو لا يتصل بشأن إبراهيم.. إن هؤلاء وآباءهم من قبلهم ، قد هيأت لهم المتاع ومددت لهم في الأجل ، حتى جاءهم الحق في هذا القرآن ، وجاءهم رسول مبين ، يعرض عليهم هذا الحق في وضوح وتبيين:
{ولما جاءهم الحق قالوا: هذا سحر ، وإنا به كافرون} ..
ولا يختلط الحق بالسحر. فهو واضح بين ، وإنما هي دعوى ، كانوا هم أول من يعرف بطلانها. فما كان كبراء قريش ليغيب عنهم أنه الحق ؛ ولكنهم كانوا يخدعون الجماهير من خلفهم ، فيقولون: إنه سحر ، ويعلنون كفرهم به على سبيل التوكيد ، يقولون: {وإنا به كافرون} ليلقوا في روع الجماهير أنهم واثقون مما يقولون ؛ فيتبعوهم عن طريق الإيحاء والانقياد. شأن الملأ من كل قوم ، في التغرير بالجماهير ، خيفة أن يفلتوا من نفوذهم ، ويهتدوا إلى كلمة التوحيد التي يسقط معها كل كبير ، ولا يعبد ويتقى إلا الله العلي الكبير!
ثم يحكي القرآن تخليطهم في القيم والموازين ؛ وهم يعترضون على اختيار الله لمحمد صلى الله عليه وسلم ليحمل إليهم الحق والنور:
{وقالوا: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} !..
يقصدون بالقريتين مكة والطائف. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذؤابة قريش ، ثم من ذؤابة بني هاشم. وهم في العلية من العرب. كما كان شخصه صلى الله عليه وسلم معروفاً بسمو الخلق في بيئته قبل بعثته. ولكنه لم يكن زعيم قبيلة ، ولا رئيس عشيرة ، في بيئته تعتز بمثل هذه القيم القبلية. وهذا ما قصد إليه المعترضون بقولهم: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} !