والمتبادر أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من الجدل الذي غضب منه ونهى عنه ما يكون مقصودا به اللجاج والحجاج والعناد والتعنت وأراد من تعبير: (لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض) لا تتجادلوا في آيات قد يبدو ظاهرها مناقضا لظاهر آيات أخرى جدالا يؤدي إلى تكذيب آيات الله ببعضها. والحق أن على المسلم واجب الإيمان بأنه ليس في كتاب الله اختلاف ولا تناقض. وأن عليه في حالة قصور فهمه عن إدراك حكمة الله في عبارة قرآنية أو في حالة توهمه مناقضة بين آية وأخرى أن يبحث عن حل وتأويل وتفسير في الآيات الأخرى أو يفوض الأمر إلى علم الله وحكمته ويعترف بقصور الفهم واحتمال التوهم. والعقل الإنساني مهما اتسع يظل قاصرا عن إدراك كلّ كلام الله وآياته وحكمته ونواميسه والمغيبات عنه. ومع ذلك فإن المرء لواجد في القرآن إذا آتاه الله فهما وأناة لكل آية مطلقة أو مشكلة في الظاهر تأويلا وتفسيرا وتوضيحا وحلا في آيات أخرى بحيث يصح القول إن القرآن إذا اعتبر ككل وهو حق وواجب لا يوجد فيه أي تناقض ولا غموض ولا إشكال.
وقد حاولنا في السور السابقة أن نجد لكل ما يبدو في الظاهر مطلقا أو مشكلا أو غامضا أو متناقضا تأويلا وحلا وتوضيحا وتوفيقا. ونرجو أن يكون الله قد سددنا
في ذلك نحو الصواب وأن يديم توفيقه وتسديده فيما يأتي من كلامه وله الحمد في الأولى والآخرة وهو ولي التوفيق.
تعليق على تأويل الشيعة للآية فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ ... إلخ
ومع ما هو صريح قطعي من أن هذه الجملة عائدة إلى فرعون وقومه فإن مفسري الشيعة يوردون لها تأويلا آخر متسقا مع هواهم حيث يروي الكارزاني عن أبي عبد الله أحد الأئمة الاثني عشر قوله في تأويلها: «إنّ الله تعالى لا يأسف كأسفنا ولكنّه خلق أولياء لنفسه يأسفون وهم مخلوقون مربوبون فجعل رضاهم رضى نفسه وسخطهم سخط نفسه لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلّاء عليه ... » وفي هذا من الشطط والتعسف ما هو ظاهر وما نحب أن ننزه أبا عبد الله عنه.
[سورة الزخرف (43) : الآيات 60 إلى 62]