{وَأَنْتُمْ} يا عبادي {فِيهَا} ؛ أي: في الجنة {خَالِدُونَ} ؛ أي: باقون دائمون، لا تخرجون ولا تموتون، إذ لولا البقاء والدوام لنغص العيش، ونقص السرور، والاشتهاء، واللذة فلم يكن التنعم كاملًا، والخوف والحسرة زائلًا بخلاف الدنيا، فإنها لفنائها عيشها مشوب بالكدر، ونفعها مخلوط بالضرر.
والمعنى: أي وفي الجنة ما تشتهيه أنفس أهلها من صنوف الأطعمة والأشربة، والأشياء المعقولة والمسموعة ونحوها، مما تطلبه النفوس وتهواه، كائنًا ما كان، جزاءً لهم على ما منعوا أنفسهم من الشهوات، وفيها ما تقر أعينهم بمشاهدته، وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم، وأنتم لا تخرجون منها, ولا تبغون عنها حولًا.
أخرج ابن أبي شيبة والترمذي عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رجل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، هل في الجنة خيل، فإني أحب الخيل، قال:"إن يدخلك الله الجنة، فلا تشاء أن تركب فرسًا من ياقوتة حمراء، فتطير بك في أي الجنة شئت إلا فعلت". وسأله آخر فقال: يا رسول الله هل في الجنة من إبل، فإني أحب الإبل، فقال:"إن يدخلك الله الجنة، يكن لك ما اشتهت نفسك ولذت عينك".
72 -ثم ذكر أن هذا كان فضلًا من ربكم، آتاكموه كفاء أعمالكم التي أسلفتموها فقال: {وَتِلْكَ} مبتدأ، إشارة إلى الجنة المذكورة {الْجَنَّةُ} خبره {الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا} ؛ أي: أعطيتموها، وجعلتم ورثتها، وصارت إليكم كما يصير الميراث إلى الوارث {بِمَا} الباء سببية؛ أي: بسبب ما {كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدنيا من الأعمال الصالحة وقيل: اسم الإشارة مبتدأ، والجنة صفته، والتي أورثتموها صفة للجنة، والخبر بما كنتم تعملون، وقيل: الخبر الموصول مع صلته، والأول أولى، وعليه أكثر المفسرين.
والمقصود: أن دخول الجنة بمحض فضل الله تعالى ورحمته، واقتسام الدرجات بسبب الأعمال، والخلود فيها بحسب عدم السيئات، شبه جزاء العمل بالميراث؛ لأن العامل يكون خليفة العمل على جزائه، يعني: يذهب العمل ويبقى جزاؤه مع العامل، فكان العمل كالموروث، وجزاؤه كالميراث.