ولما بين لهم أصول الدين وفروعه قال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ} سبحانه وتعالى؛ أي: اتقوا عقابه في مخالفتي أن يحل بكم {وَأَطِيعُونِ} ؛ أي: أطيعوني فيما أبلغه عنه تعالى من الشرائع والتكاليف، فإن طاعتي طاعة الله سبحانه وتعالى، كما قال من يطع الرسول فقد أطاع الله.
64 -ثم فصل ما يأمرهم به بقوله: {إِنَّ اللَّهَ} الذي يستحق إفراده بالألوهية، وإخلاص العبادة له {هُوَ رَبِّي} ومالكي {وَرَبُّكُمْ} ومالككم، فأنا وأنتم عبيد له فقراء إليه، فخصوه بالعبادة والتوحيد، وهذا بيان لما أمرهم بالطاعة فيه، وهو اعتقاد التوحيد، والتعبد بالشرائع {هَذَا} الذي جئتكم به من التوحيد، والتعبد بالشرائع، {صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} لا يضل سالكه، وكل الديانات جاءت بمثله، فما هو إلا اعتقاد بوحدانية الله تعالى، وتعبد بشرائعه، وفي"التأويلات النجمية": فاعبدوه ولا تعبدوني، فإني في العبودية شريك معكم، وإنه متفرد بربوبيته إيانا، وتعبدنا إياه صراط مستقيم لا اعوجاج فيه، وهذا تتمة كلام عيسى عليه السلام، أو استئناف من الله، يدل على ما هو المقتضي للطاعة في ذلك،
65 -ولما كان الطريق القويم يجب الاجتماع عليه، والاتفاق على سلوكه، بين أنهم خالفوا ذلك فاختلفوا فيه، فقال: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ} ؛ أي: فاختلفت الفرق المتخربة من اليهود والنصارى في شأن عيسى عليه السلام، بعد رفعه إلى السماء اختلافًا ناشئًا {مِنْ بَيْنِهِمْ} ؛ أي: من قبل أنفسهم لم يدخلهم الاختلاف من غيرهم، فقالت اليهود لعنهم الله تعالى: ابن زانية زنت أمه بيوسف النجار، وقالت اليعقوبية من النصارى: هو الله، وقالت النسطورية: وابن الله، وقالت الملكانية: هو شريك الله، وقالت المرقوسية: هو ثالث ثلاثة.