63 - {وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى} إلى بني إسرائيل {بِالْبَيِّنَاتِ} ؛ أي: بالمعجزات الواضحة والشرائع الربانية، وقال قتادة: البينات هنا الإنجيل {قَالَ} لهم عيسى {قَدْ جِئْتُكُمْ} يا بني إسرائيل وبعثت إليكم {بِالْحِكْمَةِ} ؛ أي: بالإنجيل أو بالشريعة لأعلمكم، وقيل: الحكمة كل ما يرغب في الجميل، ويكف عن القبيح {وَ} جئتكم {لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} من أحكام التوراة، قيل: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موت موسى في أشياء من أمر دينهم، وقيل: ذلك البعض ما يتعلق بأمور الدين، وأما ما يتعلق بأمور الدنيا فليس بيانه من وظائف الأنبياء، كما قال - صلى الله عليه وسلم -:"أنتم أعلم بأمور دنياكم", لأن اختلافهم يكون فيها وفي غيرها من الأمور التي لا تتعلق بالديانات، فأمور الديانات بعض ما يختلفون فيه، وبين لهم في غيره ما احتاجوا إليه، واللام في قوله: {وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ} معطوفة على مقدر، كأنه قال: قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها, ولأبين لكم.
فَإِنْ قُلْتَ: كيف قال عيسى عليه السلام لأمته ذلك، مع أن كل نبي يلزمه أن يبين لأمته كل ما يختلفون فيه؟
قلت: المرادُ: أنه يبين لهم مما اختلفوا فيه ما يحتاجونه دون ما لا يحتاجونه.
وقال أبو عبيدة: المراد بالبعض: الكل، كما في قوله: يصبكم بعض الذي يعدكم، ورده الناس عليه.
وقال مقاتل: هو كقوله: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} أي: في الإنجيل من لحم الإبل والشحم من كل حيوان، وصيد السمك يوم السبت من كل ما حرم عليهم في التوراة.
والمعنى: ولما جاءهم عيسى بالمعجزات الواضحة قال: قد جئتكم بالشرائع التي فيها صلاح البشر، ولأبين لكم بعض ما اختلف فيه قوم موسى، من أحكام الدين دون أمور الدنيا، كطرق الفلاحة والتجارة، فإن الأنبياء لم يبعثوا لبيانها، كما يشير إلى ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - حين نهاهم عن تأبير النخل - تلقيحه بطلع الذكر - ففقد الثمر ولم يغل شيئًا نافعًا:"أنتم أعلم بأمور دنياكم، وأنا أعلم بأمور دينكم".