قوله تعالى {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُواْ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى} اصل كل طاغوت النظر إلى النفس والى ما سوى الله من العرش إلى الثرى في طريق افراد القدم عن الحدوث على وجه الإقبال إلى شيء دونه فالذين جانبوا الكل وانابوا إلى اصل كل اصل بنعت الاستعانة به فلهم النظر إلى جماله ولهم النظارة والبشارة في وجهه والفرح بمشاهدة جماله فهم مربوطون في الدنيا عند كل نفس ببشارة منه بانهم يرونه على وفق مرادهم ومحبتهم ثم زاد في وصفهم بقوله {فَبَشِّرْ عِبَادِ} أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم بان يبشرهم بالرضوان الأكبر ثم بين استحقاق البشارة لهم باى وجه يلحق بهم بقوله {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ} يستمعون الحق من الحق من حيث الحق {فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} يبتغون كل الخطاب بالإيمان وعلى ما يوافق مراد الحق منهم بالعمل فإذا الكل حسن مبارك فمن حيث رسوم الأمر أحسنه ما يطيقون حمله من وارد الخطاب بنعت متابعته وفى الحقيقة الأحسن ما لم يوافق طباع الحدثان وذلك مثل أي المتشابه في عرفان الذات والصفات فالأوامر والنواهى أحسن لهم والانباء من علوم الذات والصفات احسن للحق ولكن من حيث أن القول صفته فالكل حسن من حيث معاني الصفة وأيضا يتبعون أحسنه من الأعمال السيئة والاخلاق الكريمة وبين أن هذه المتابعة منهم من هدايته لهم وتعريف نفسه اياهم وانه تعالى جعلهم الالباء المستعدين لقبول قوله وإدراك خطابه بالفهوم النورية والعقول الصافية والذكاء العجيب بقوله {أُوْلَائِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ} قال سهل في قوله والذين اجتنبوا الطاغوت: الدنيا واصلها الجهل وفرعها المآكل والمشارب وزينتها التفاخر وثمرتها المعاصى وميراثها القسوة والعقوبة وقال الأستاذ طاغوت كل أحد نفسه وإنما يجتنب الطاغوت من خالف هواه وعانق رضا مولاه قال أبو بكر بن طاهر في قوله فبشر عباد بشر الله تعالى من فتح سمعه لاستماع الاحسن من سماعه لا من سمعه على العادة والطبع فان المتحقق في السماع من يعرف حاله في وقت السماع فيتبع الاحسن مما يسمع ويدع ما فيه شبهة واشتباه وصفهم الله تعالى بالهداية إليه والعلم به العقل