قلت: هذا يصلح جواباً للقولين الثاني والثالث أي بلى قد هديت بالوحي فكذبت واستكبرت عن قبوله فلا فائدة في الرجعة ، فإن عدم القابلية وكونه واقعاً في جانب القهر لن يزول عنه. ثم صرح ببعض أنواع العذاب قائلاً {ويوم القيامة نرى الذين كذبوا على الله} وقوله {وجوههم مسودّة} مفعول ثان إن كانت الرؤية القلبية وإلا فموضعه نصب على الحال. والظاهر أن الكذب على الله هو المشار إليه في قوله {فكذبت بها} ويشمل الكذب عليه باتخاذ الشريك والولد ، ونسبته إلى العجز عن الإعادة ، ونسبة القرآن إلى كونه مختلفاً ونحو ذلك. وأما المسائل الاجتهادية التي يختلف فيها كل فريق إسلامي ولا سيما الفروعية ، فالظاهر أنها لا تدخل فيها والله أعلم. وأما سواد الوجه فإن كان في الصورة فظاهر ويكون كسائر أوصاف أهل النار من زرقة العيون وغيره ، وإن كان المراد به الخجل وشدّة الحياء ونحو ذلك فالله تعالى أعلم بمراده. ولا ريب أن الجهل والإخبار على خلاف ما عليه الأمر ونحو ذلك من الأخلاق الذميمة كلها ظلمات كما أن العلم والصدق ونحوهما أنوار كلها وفي ذلك العالم تظهر حقيقة كل شيء على المكلف {هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت} [يونس: 30] . ثم حكى حال المتقين يومئذ قائلاً {وينجي الله الذين اتقوا} الشرك أو المعاصي كبائر وصغائر {بمفازتهم} هي"مفعلة"من الفوز. فمن وحد فلأنه مصدر ، ومن جمع فلاختلاف أجناسها فلكل متق مفازة وهي الفلاح. ولا شك أن الباء هي التي في نحو قولك"كتب بالقلم". فقال جار الله: تارة تفسير المفازة هي قوله {لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون} فلا محل للجملة لأنه كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: {لا يمسهم السوء} أي في أبدانهم. {ولا هم يحزنون} يتألمون قلباً على ما فات. وقال: أخرى يجوز أن يراد بسبب فلاحهم أو منجاتهم وهو العمل الصالح ، وذلك أن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة. ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه