جبريل ويحييه مكانه ويحي هؤلاء الملائكة الذي ذكرناهم . وأما أهل الجنة فلم يأت عنهم خبر: والأظهر أنها دار الخلد . فالذي يدخلها لا يموت فيها أبداً مع كونه قابلاً للموت ، والذي خلق فيها أولى ألا يموت فيها أبداً . وأيضاً فإن الموت لقهر المكلفين . ونقلهم من دار إلى دار ، وأهل الجنة لم يبلغنا أن عليهم تكليفاً ، فإن أعفوا من الموت كما أعفوا من التكليف لم يكن بعيداً . فإن قيل: فقد قال الله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه وهو يدل على أن الجنة نفسها تفنى ثم تعاد يوم الجزاء ، فلم أنكرتم أن يكونوا الولدان والحور يموتون ثم يحيون ؟ قيل: يحتمل معنى قوله: كل شيء هالك إلا وجهه أي ما من شيء إلا وهو قابل للهلاك فيهلك إن أراد الله به ذلك إلا وجهه أي إلا هو سبحانه ، فإنه تعالى قديم والقديم لا يمكن أن يفنى وما عداه محدث ، والمحدث إنما يبقى قدر ما يبقيه محدثه فإذا حبس البقاء عنه فني . ولم يبلغنا في خبر صحيح ولا معلول أنه يهلك العرش فلتكن الجنة مثله.
فصل: قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: ومن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب . للعلماء في تأويلات: أحسنها وأجملها ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي قال: أخبرني غير واحد من أصحابنا عن إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني أنه سئل: هل الباري في جهة ؟ فقال: لا هو متعال عن ذلك . قيل له: ما الدليل عليه ؟ قال الدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تفضلوني على يونس بن متى فقيل له: ما وجه الدليل من هذا الخبر ؟ فقال لا أقوله حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها ديناً ، فقام رجلان فقالا: هي علينا . فقال: لا يتبع بها اثنين لأنه يشق عليه . فقال واحد: هي علي . فقال: إن يونس بن متى رمى بنفسه في البحر فالتقمته الحوت ، وصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث ونادى لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين