ثم بين هذه المفازة بقوله: {لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} والجملة: حال أخرى من الموصول، مفيدة لكون نجاتهم وفوزهم بالجنة غير مسبوقة بمساس العذاب والحزن؛ أي: ينجيهم الله سبحانه من مثوى المتكبرين، حال كونهم متلبسين بفوزهم بمطلوبهم الذي هو الجنة، وحالة كونهم غير مسبوقين بمساس السوء والعذاب في أبدانهم، وبمساس الحزن والغمّ في قلوبهم أي: لا يمسهم أذى جهنم، ولا يحزنون على ما فاتهم من مآب الدنيا، إذ هم قد صاروا إلى ما هو خير منه؛ نعيم مقيم في جنات تجري من تحتها الأنهار، ورضوان من الله أكبر.
وخلاصة ذلك: أنهم أمِنوا من كل فزع، وبعدوا من كل شرّ، وفازوا بكل خير ومسرة.
وقرأ الجمهور: {بِمَفَازَتِهِمْ} على الإفراد، والسلمي والحسن والأعرج والأعمش وحمزة والكسائي وأبو بكر: على الجمع، من حيث إن النجاة أنواع والأسباب مختلفة، وقال أبو علي: المصادر تجمع إذا اختلفت أجناسها، كقوله تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} ، وقال الفراء: كلا القراءتين صواب، تقول قد تبين أمر الناس، وأمور الناس.
62 - {اللَّهُ} سبحانه وتعالى {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ومبدع كل مخلوق من خير وشر، وإيمان وكفر، لكن لا بالجبر، بل بمباشرة الكاسب لأسبابها.
قال في"التأويلات النجمية": دخل أفعال العباد وأكسابهم في هذه الجملة، ولا يدخل هو وكلامه فيها؛ لأن المخاطب لا يدخل تحت الخطاب، ولأنه تعالى يخلق الأشياء بكلامه، وهو كلمة {كن} الموجودة في الدنيا والآخرة، كائنًا ما كان، من غير فرق بين شيء وشيء.
{وَهُوَ} سبحانه {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} يتولى التصرف فيه كيفما يشاء؛ أي: الأشياء كلها موكولة إليه تعالى، فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير مشارك له، والوكيل: هو القائم على الأمر، الزعيم بإكماله، والله تعالى هو المستكفل بمصالح عباده، والكافي لهم في كل أمر، ومن عرف أنه الوكيل .. اكتفى به في كل أمره، فلم يدبر معه، ولم يعتمد إلا عليه.
وخاصية هذا الاسم: نفي الجوائح والمصائب، فمن خاف ريحًا أو صاعقة أو نحوهما فليكثر من ذكره، فإنه يصرف عنه، ويفتح له أبواب الخير والرزق.