القدر، وإن استطاع ألا يحيل قلبه إلا في تفكر في الملكوت وفيما خلق الله من شيء
أو في آية من كتاب ربه - عز جلاله - وفي ذكر الموت وأنه لعله قد قرب الأجل
مع أن السفر طويل والأمر جد، والورود مع حال الغفلة وقلة الزاد غرر، فهو طريق
الاستقامة والسبيل القاصدة إلى محل الفوز ومنال السعادة، وليدع ما يريبه إلى ما لا
يريبه.
وإذا تضايقت الأمور واستبهمت عليه الأشباه فليستفت قلبه، وليترك ما حاك
في صدره، وعند هجوم الإرادات فعليه بالتوقف حتى يقع التفتيش عن الشبهة،
وليتقص في قليل ذلك كله وكثيره وحتى عن مثاقيل الذر في الظاهر والباطن،
والخوف يزيد في قدر الورع، وكذلك المعرفة بأيادي الله تعالى.
يقول الله - جل من قائل: (فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(69) .
وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"يقول الله - جل من قائل: عبدي، أدِّ ما"
افترضت عليك تكن من أعبد الناس، وانتهِ عما نهيتك عنه تكن من أورع الناس،
واقنع بما رزقتك تكن من أغنى الناس"."
وأشد الورع: ورع اللسان، فإنه لا ورع كالكف، وكان يقال: أفضل الطاعة:
الورع، وأصل الورع: التقى، وأصل التقى: محاسبة النفس، وأصل محاسبة النفس:
الخوف، وأصل الخوف والرجاء: معرفة الوعد والوعيد وذكر عظيم الثواب وأليم
العقاب، وأصل ذلك كله: الفكر والعبر، ولا يتم الورع إلا بالصدق.
والمؤمن مفتقر إلى صفة الصدق في مبتدأ أحواله ونهاياتها وفي جميع أحواله
ظاهرها وباطنها، وأن المؤمن قد يطبع على البخل وعلى الجبل على كثير من
الأخلاق النازلة عن الحق ولا يطبع على الكذب، فمتى طيع على الكذب في أقواله
وأفعاله لم يكن مؤمنًا، فعلى من طلب الصدق في سيره إلى ربه أن يبذل المجهود
على النهاية في بلوغ الغاية ويلتزم الوفاء، وأن يطالب نفسه بالصدق في جميع
أحواله وأقواله وأعماله ويفتشها بالعلم مخافة تزيين العدو وتلبيسه، فقد حذر الله من
ذلك بقوله: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) .
والصدق في الأعمال: أن تكون موافقة للأقوال، والصدق في الأقوال: أن