فمعنى {وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) } [الصافات] أي: من فرعون ومن الاستعباد، حيث خرج بهم موشس - عليه السلام - فأدركه فرعون يجنوده حتى حاصرهم عند البحر، فكان البحر من أمامهم، وجيش فرعون من خلفهم.
وما أشبه هذا الموقف بموقف طارق بن زياد في فتح الأندلس، حين قال لجنوده: إن البحر من أماكم، والعدو من ورائكم.
وعندها أيقن بنو إسرائيل أن فرعون سيلحق بهم ويدركهم فقالوا لموسى عليه السلام: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) } [الشعراء] لأن شواهد الواقع تدل على ذلك، فهم لا محالة مدركون بقوانين البشر، لكن لموسى مع ربه قانون آخر، جعل موسى عليه السلام يقول بملء فيه (كلا) كلا لن ندرك، قالها بما لديه من ثقة بربه، وبما لديه من الرصيد الإيماني: {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) } [الشعراء] وفعلاً، جاءه الفرج لتوه، وأمره ربه أن يضرب بعصاه البحر، وكان ما تعلمون من القصة.
ثم يقول سبحانه {وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) } [الصافات] نعم، وأي غلبة؟ لأن هناك فرقاً بين أن تغلب عدوك ويظل المغلوب حباً يرزق، وبين أن تغلبه تبيده من الوجود، والذي حدث في قصة موسى وفرعون أن الله قضى على فرعون وجنوده قضاء مبرماً.
ثم {وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) } [الشعراء] المستبين الذي بلغ النهاية في البيان. والمراد بالكتاب التوراة، وقد وصف الحق سبحانه وتعالى - التوراة في موضع آخر، فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) } [الأنبياء]
وقوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) } [الصافات] أي: