فإِن قلت: كيف يتأتى ذلك، مع أن هذا لَا يمكن إلا في شخص معين تراه بحيث تتحرز منه وتتحرر، وأما الشيطان فهو خفي لَا يظهر، فكيف التحرز منه؟ فالجواب: أن هذا كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إن يكن خيرا فمن الله وإن يكن غير ذلك فمن من الشيطان، فالإنسان مكلف بأن يزن أعماله بالميزان الشرعي، فإن رآها جارية على ما أمره الشرع به، علم أنها كلها من الله، وإن رآها مخالفة للشرع علم أن ذلك من وساوس الشيطان.
قوله تعالى: (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) .
حزبه هم الذين انقطعوا إليه وصاروا قوة، وهم الشياطين، ويكون المراد بالشيطان إبليس لعنة الله عليه، فالمعنى أن أصدقاءه الذين لَا عداوة بينه وبينهم، إنما يدعوهم ليكونوا من أهل النار، فما بالك فيمن هو عدو لهم هو يدعوهم إلى النار من باب أحرى.
فإن قلت: إذا كان حزب الشيطان بعض أصحاب السعير، فمَن البعض الآخر؟ فالجواب: أن أصحاب السعير هو وحزبه ومن تابعهم من بني آدم.
قوله تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ... (8) }
الهمزة للإنكار لَا للتقرير، وفيه دليل للمعتزلة القائلين: بأن العقل يحسن ويقبح، وجوابه: أن المعنى ظنه حسنا من جهة الشرع، أي اعتقد أن الشرع حسنه.
وفيه دليل ما يقول الفخر: أن العاصي لَا يعصي وهو جاهل، ولا يتصور من العالم حين علمه عصيانه بوجه، فهو يظن أن الأرجح فعل المعصية لقوله تعالى: (فَرَآهُ حَسَنًا) .
قوله تعالى: (حَسَرَاتٍ) .
الزمخشري جعله مفعولا من أجله، وهو على مذهبه إذ شرط المفعول من أجله، أن يكون مفعولا لفاعل الفعل المعلل، فالحسرات إذًا من فعل النفس لَا من فعل غيرها، وهو أيضا جائز على مذهب أهل السنة القائلين بالكسب، وأما من ينفي الكسب هنا يجري على هذا الإعراب على مذهبه، وتحتمل كونه حالا.
وقول الزمخشري: لَا يتعلق بحسرات، لأنه مصدر فلا تتقدم صلته عليه، يرد بوجهين:
الأول: إن ذلك إنما هو في المصدر والمقدر بـ أن والفعل، حسبما ذكره ابن هشام شارح الإيضاح في قوله تعالى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا) .