والذي يتبادر إلى ذهني من الآية ما روي عن قتادة واختاره ابن عطية ، وتخصيص العمل الصالح برفع الله تعالى إياه على ذلك قيل لما فيه من الكلفة والمشقة إذ هو الجهاد الأكبر ، وظاهر هذا أن العمل أشرف من الكلام ولا كلام في ذلك إذا أريد بالعمل الصالح ما يشمل العمل القلبي كالتصديق ، ولعل الكلام عليه نظير قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاء موسى لميقاتنا} [الأعراف: 143] وقوله سبحانه: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] وكلام الإمام صريح في أن الكلم الطيب المفسر بالذكر أشرف من العمل حيث جعل صعود الكلم بنفسه دليل ترجيحه على العمل الذي يرفعه غيره ، وقال في وجه ذلك: الكلام شريف فإن امتياز الإنسان عن كل حيوان بالنطق والعمل حركة وسكون يشترك فيه الإنسان وغيره والشريف إذا وصل إلى باب الملك لا يمنع ومن دونه لا يجد الطريق إلا عند الطلب ، ويدل على هذا أن الكافر إذا تكلم بكلمة الشهادة أمن من عذاب الدارين إن كان ذلك عن صدق وأمن في نفسه ودمه وحرمه في الدنيا إن كان ظاهراً ولا كذلك العمل بالجوارح ، وأيضاً أن القلب هو الأصل وما فيه لا يظهر إلا باللسان وما في اللسان لا يبين صدقه إلا بالفعل فالقول أقرب إلى القلب من الفعل فيكون أشرف منه ، اه وفي القلب منه شيء فتدبر.
{والذين يَمْكُرُونَ السيئات} أي المكرات السيآت أو أصناف المكرات السيآت على أن {السيآت} صفة لمحذوف وليس مفعولاً به ليمكرون لأن مكر لازم ، وجوز أن يكون مفعولاً على تضمين يقصدون أو يكسبون وعلى الأول فيه مبالغة للوعيد الشديد على قصد المكر أو هو إشارة إلى عدم تأثير مكرهم ، والموصول مبتدأ وجملة قوله تعالى: {والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} خبره أي لهم بسبب مكرهم عذاب شديد لا يقادر قدره ولا يعبأ بالنسبة إليه بما يمكرون.