وحالة مشركي قريش لا تداني أحوال تلك الأمم في القوة ، وناهيك بعاد فقد كانوا مضرب الأمثال في القوة في سائر أمورهم ، والعرب تصف الشيء العظيم في جنسه بأنه عاديُّ نسبةً إلى عاد.
وعطف {أثاروا} على {كانوا} فهو فعل مشتق من الإثارة بكسر الهمزة ، وهي تحريك أجزاء الشيء ، فالإثارة: رفع الشيء المستقر وقَلْبُه بعد استقراره ، قال تعالى: {الله الذي يرسل الرياح فتُثير سحاباً} [الروم: 48] أي: تسوقه وتدفعه من مكان إلى مكان.
وأطلقت الإثارة هنا على قلب تراب الأرض بجعل ما كان باطناً ظاهراً وهو الحرث ، قال تعالى: {لا ذلول تثير الأرض} [البقرة: 71] ، وقال النابغة يصف بقر الوحش إذا حفرت التراب:
يُثرنَ الحصى حتى يباشرن بَرده...
إذا الشمس مجّت ريقها بالكلاكل
ويجوز أن يكون {أثاروا} هنا تمثيلاً لحال شدة تصرفهم في الأرض وتغلبهم على من سواهم بحال من يثير ساكناً ويهيجه ، ومنه أطلقت الثورة على الخروج عن الجماعة.
وهذا الاحتمال أنسب بالمقصود الذي هو وصف الأمم بالقوة والمقدرة من احتمال أن تكون الإثارة بمعنى حرث الأرض لأنه يدخل في العمارة.
وضمير {أثاروا} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {كانوا أشد} .
ومعنى عمارة الأرض: جعلها عامرة غير خلاء وذلك بالبناء والغرس والزرع.
يقال: ضيعة عامرة ، أي: معمورة بما تعمر به الضياع ، ويقال في ضده: ضيعة غامرة.
ولكون قريش لم تكن لهم إثارة في الأرض بكلا المعنيين إذ كانوا بِواد غير ذي زرع لم يقل في هذا الجانب: أكثر مما أثاروها.
وضميرا جمع المذكر في قوله: {وعمروها أكثر مما عمروها} راجع أولهما إلى ما رجع إليه ضمير {أثاروا} وثانيهما إلى ما رجع إليه ضمير يسيروا في الأرض.
ويعرف توزيع الضميرين بالقرينة مثل توزيع الإشارة في قوله تعالى: {هذا من شِيعتِه وهذا من عدوِّه} في سورة [القصص: 15] كالضميرين في قول عباس بن مرداس يذكر قتال هوازن يوم حُنين: