إذن: فنصر المكروه لله على المحبوب لله جاء بتوقيت من الله ؛ لذلك إياك أن تحزن حين تجد لك عدواً ، فالأحمق هو الذي يحزن لذلك ، والعاقل هو الذي يرى لعدوه فَضْلاً عليه ، فالعدو يُذكِّرني دائماً بأن أكون قوياً مستعداً ، يُذكِّرني بأن أكون مستقيماً حتى لا يجد مني فرصة أو نقيصة . العدو يجعلك تُجنِّد كل ملكاتك للخير لتكون أفضل منه ؛ لذلك يقول الشاعر:
عدايَ لَهٌمْ فَضْلٌ عليَّ ومِنَّةٌ ... فَعِنْدي لهُم شُكْرٌ على نَفْعهم ليَا
فَهُمْ كدَواءٍ والشِّفاء بمُرِّهِ ... فَلا أَبْعَد الرحمنُ عنِّي الأعَادِيَا
وهْم بحثُوا عَنْ زَلَّتي فَاجْتنبتُها ... وهُمْ نافسُوني فاكتسبْتُ المعَاليَا
إذن: لله الأمر من قبل ومن بعد ، وله الحكمة في أنْ ينتصر الباطل ، أَلاَ ترى غزوة أحد ، وكيف هُزِم المسلمون لما خالفوا أمر رسول الله وتركوا مواقعهم طمعاً في مغنم ، انهزموا في أول الأمر ، مع أن رسول الله معهم ؛ لأن سنة الله في كونه تقضي بالهزيمة حين نخالف أمر رسول الله ، وكيف يكون الحال لو انتصر المسلمون مع مخالفتهم لأمر رسولهم؟ لو انتصروا الفقد أمر الرسول مصداقيته ، ولما أطاعوا له أمراً بعد ذلك .
وفي يوم حنين: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ...} [التوبة: 25] حتى إن أبا بكر نفسه ليقول: لن نٌغلب اليوم عن قِلّة ، فلما نظروا إلى قوتهم ونسُوا تأييد الله هُزِموا في بداية الأمر ، ثم يحنّ الله عليهم ، وتتداركهم رحمته تعالى ، فينصرهم في النهاية .
إذن: فلله الأمر من قبل ومن بعد ، فإياك أن تظن أن انتصار الباطل جاء غصْباً عن إرادة الله ، أو خارجاً عن مراده ، إنما أراده الله وقصده لحكمة .