كما قال تعالى: {وَيِقُولُ} [العنكبوت: 55] يعني: يوم القيامة {ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 55] أي: ذوقوا عذابي ما كنتم الخلق والخالق به، والذي يؤكد هذا التأويل قوله تعالى: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 14] يعني: في الوقت ولا شعور لهم: {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ} [الانفطار: 16] اليوم، ولكن لا شعور لهم بها فمن تطلع لهم شمس العناية من مشرق القلب فتخرجه من ليل الدين إلى يوم الدين {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ} [الزمر: 69] بشريته {بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر: 69] يرى نفس محاطة جهنم أخلاقها، فيحذرون ألمها ويقصد الخروج والخلاص عنها، فتؤذي أهل طلب الخلاص.
{يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} صدقوا وعاينوا بأن جهنم العبد محيطة بهم ووجدوا ذوق ألمها وضيق موطنها {إِنَّ أَرْضِي} [العنكبوت: 56] أي: أرض حضرة جلالي وعظمتي {وَاسِعَةٌ} فهاجروا بالخروج عن حبس وجودكم إلى سرادقات هُويتي {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56] أي: فإياي فاطلبون، وإلى هويتي فارجعون بالاختيار شوق أو محبة وموتوا عن أوصاف وجودكم بالإرادة قبل أن تموتوا بالكراهة فإن {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [العنكبوت: 57] بالاضطرار الذين اعتادوا منا بالفرار مقيدين بسلاسل التعلقات إلى الدنيا وأربابها مغلولين بأغلال الشهوات فيسجنون بسجن نيران الحسرات {وَالَّذِينَ آمَنُواْ} [العنكبوت: 58] بحقيقة الوصول والوصال.
{وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} مهاجرين عن أوطان الوجود {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ} جنة الوصال {غُرَفَاً} من غرف المعارف {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} أنهار الحكم {خَالِدِينَ فِيهَا} [العنكبوت: 58] في جنات القرب والوصول.