وبقوله: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ} [العنكبوت: 7] يشير إلى أنه كما أنزلنا الدلائل والبراهين العقلية على أهل الظاهر كذلك أنزلنا على أهل الباطن الدلائل والبراهين الكشفية بما رآه من الشواهد الخفية، {فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} [العنكبوت: 47] يعني: أرباب القلوب الذين علموهم في أنباء الحق موحية لاندارسهم الكتب وتحصيل العلوم بالتكرار فإنهم {يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: يصدقونكم بما تظهرون من حقائق العلوم وتشيرون إلى وقائعها {وَمِنْ هَؤُلَاءِ} يعني: على الظاهر على أنواع فمن حرم بنظرنا إليه بالعناية فمنهم: {مَن يُؤْمِنُ بِهِ} أي: بصدقكم بما تقيمون عليه من الدلائل الكشفية والبراهين بالواردات الحقيقية دلالة لهم إلى الحق تعالى، ومنهم محروم وسَمْنَاهم بالشقاوة فما استقبلتم إلا بالإنكار جحود، وذلك بالجهالة والضلالة.
ثم أخبر عن رعاية أهل العناية عن زلات السلوك بقوله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] يشير إلى أن القلب إذا تجرد عن المعلومات والسر تقدير عن يومان والروح تنزه عن الموجودات بالكافر أقرب إلى الفطرة، ولم يشتغلوا لقبول النفوس السفلية من الخسيسات والخيالات، والوهميات، فكانوا لما صادفهم من المغيبات قابلية من غير ممازجة طبع ومشاركة كسب وتكليف وتكيف بشرية، ولما كان قلب النبي صلى الله عليه وسلم في البداية ممزوجاً بعمل جبريل إذ أخرج منه ما أخرج، وقال: هذا حظ الشيطان منك. وفي النهاية محفوظاً عن النفوس التعليمية بالقراءة والكتابة قابلاً لإنزال القرآن عليه مختصاً به عن جميع الأنبياء.