إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. إنّ الآيات هنا ترينا كيف يفر الكافرون من الحجج إلى طلب العذاب، كما أنّها تبيّن لنا ماهيّة العذاب العظيم الذي سيحيق بأهل النّار وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ.
2 -بعد أن بيّن الله في المجموعة الأولى من المقطع الثاني خسار أهل الباطل، بيّن في هذه الآيات الثلاث ماهيّة خسارهم وبيّن جهلهم إذ يستعجلون العذاب وهو آت وما أشدّه. فالصلة بين الآيات الثلاث الأخيرة، وما جاء قبلها مباشرة واضحة.
فلنر صلتها بسياق السورة.
بدأت السورة بقوله تعالى:
الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ* أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ.
إن مقدّمة السورة عرضت علينا ظنا خاطئا يمكن أن يقع فيه بعض المؤمنين.
وعرضت علينا ظنا خاطئا يقع فيه الكافرون، وسارت السورة كما رأينا حتى وصلت إلى الآيات الثلاث، لتعرض علينا كيف أنّ الكافرين يستعجلون بالعذاب الذي وعدوا به، وكيف أنّ هذا العذاب آت لا محالة. وفي ذلك درس لأهل الإيمان أن يتحمّلوا لأداء المحنة، لأنّها مهما كانت قاسية فعذاب الله في الآخرة أشدّ، وهكذا نجد أنّ هذه الآيات تؤدّي أكثر من دور في محلّها.
وإذ وصل السياق إلى ما وصل إليه، فإن آيات تأتي الآن تخاطب المؤمنين خطابا مباشرا، فيه إشارة إلى الهجرة، ومحلّ ذلك في سياق السورة التي تتحدث عن الامتحان لا يخفى؛ فالهجرة قد تكون فرض المحنة، أو أثرا عنها، وهي في نفسها نوع امتحان، إذا اضطر إليها المؤمنون. فلنر الآيات:
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ. قال ابن كثير: