(هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحّدوا الله، ويعبدوه كما أمرهم) . وقال النسفي: (يعني أن المؤمن إذا لم يتسهّل له العبادة في بلد هو فيه، ولم يتمشّ له أمر دينه، فليهاجر عنه إلى بلد يقدّر أنّه فيه أسلم قلبا، وأصحّ دينا، وأكثر عبادة ... ) فالمعنى: إنّ أرضي واسعة فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض، فأخلصوها في غيرها. وإن لم تستطيعوا العبادة في أرض، فهاجروا إلى أخرى
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي واجدة مرارته وكربه كما يجد الذائق طعم المذوق، وهذا تشجيع للنفس على الهجرة، لأنّ النّفس إذا تيقنت بالموت سهل عليها مفارقة وطنها ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ بعد الموت للثواب والعقاب. قال ابن كثير في الآية: (أي أينما كنتم يدرككم الموت؛ فكونوا في طاعة الله، وحيث أمركم الله، فهو خير لكم، فإنّ الموت لا بدّ منه، ولا محيد عنه،
ثمّ إلى الله المرجع والمآب، فمن كان مطيعا له جازاه أفضل الجزاء، ووافاه أتمّ الثواب، ولهذا قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ أي لننزلنهم مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً أي منازل عالية في الجنة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ على اختلاف أصنافها من ماء وخمر وعسل ولبن، يصرّفونها ويجرونها حيث شاءوا، كما قال ابن كثير خالِدِينَ فِيها أي ماكثين فيها أبدا نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ أي نعمت هذه الغرف أجرا على أعمال المؤمنين
الَّذِينَ صَبَرُوا على مفارقة الأوطان، وعلى أذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، وعلى الطاعات، وعن المعاصي وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ في أحوالهم كلها، في دينهم ودنياهم، ولم يتوكّلوا في جميع ذلك إلا على الله.
كلمة في السياق:
1 -إنّ الكلام عن الهجرة في سياق هذه السورة التي تبدأ بالكلام عن الامتحان لتحقيق الإيمان واضح المدلول. فالمحنة المستمرة قد يحتاج أصحابها إلى الهجرة، وقد تكون مصلحة الدّعوة نفسها في الهجرة، ومن ثمّ فقد تحدث الله عنها هنا، وفتح الباب إليها، وشجّع عليها بما أعدّ لأهلها.