والمعنى: أجَهلَ أهل مكة وغفلوا ولم يعلموا بالمشاهدة أنّا جعلنا مكة بلدهم حرمًا ممنوعًا مصونًا يقرون فيه، ويأمنون على أنفسهم من القتل، وعلى أموالهم من النهب، والناس حولهم من العرب يُتخطفون قتلًا وسبيًا، ويُخلتسون سلبًا ونهبًا، إذ كان العرب من كل مكان، وفي كل موقع - غير مكة - في تقاتل وتغالب، وتغاور وتناهب، أفيتفق منهم مع هذه النعم التي يعيشون فيها أن يؤمنوا بالأصنام فيعبدوها من دون الله، أو بالشيطان فيستجيبوا لوسوسته وإغرائه، وبنعمة الله التي يعيشون، يها وينعمون بها، المتمثلة في تسخير الأكوان، وإجراء الأرزاق، ودفع المكاره والأخطار - أفبهذا كله - هم يكفرون ويجحدون، وهي المستوجبة للشكر وصدق الإيمان.
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ}
المفردات:
{افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا} : اختلق على الله كذبًا حيث ادعى له شريكا.
{أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ} : أو كذب بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به.
{مَثْوًى} : دار إقامة دائمة ومستقر.
التفسير
68 - {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} :
ينتهي بهذه الآية الحديث عن المشركين في هذه السورة، وهي تسجل عليهم مجاوزتهم الحد في ادعائهم الشريك الله، وتنعى عديهم تكذيبهم الرسول، كما تتوعدهم سوء العاقبة بالخلود في جهنم.
والمعنى: وأي إنسان أشد ظلمًا لنفسه ممن اختلق على الله كذبًا، فادعى له شريكًا مع وضوح الدلالة على وحدانيته - وتوافر الشواهد على ألوهيته، وجاوز الحدود في الظلم بتكذيب
وذهب بعض المفسرين إلى أن اللام في قوله - تعالى: (ليكفروا) ، (وليتمتعوا) هي لام الأمر، وأن الأسلوب مسوقٌ مساق تهديدهم ووعيدهم، فهو على حد قوله - تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} ، ومعنى قوله - تعالى: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أي: فسوف يعلمون عاقبة كفرهم وتمتعهم حين يرون العذاب يوم القيامة، يوم لا يغنى عنهم شركهم من الله شيئًا ولا هم ينصرون.