أي: قل يا محمد للمنكرين للبعث: سيروا في الأرض فاستدلّوا بأنواع صنع الله ، وانظروا إلى آثار كان قبلكم . وإلى ما صاروا إليه من الموت والفناء ، فتعلموا أن الله بدأ الخلق في الأرض وأفناهم ، ثم أحدثكم بعدهم . فكذلك سيفنيكم بالموت ثم يحييكم في الآخرة كلكم . فكما خلقكم في الدنيا بع أن لم تكونوا كذلك فيها وخلق من كان قبلكم بعد أن لم يكونوا فيها كذلك يحييكم بعد موتكم ، فاعلموا أن الله على كل شيء قدير . وانظروا كيف بدأ لله الخلق للأشياء وأحدثها ، فكما أنشأها وابتدأها ، كذلك يقدر على إعادتها بعد إفنائها . وليس يتعذّر الإعادة على من ابتدأ الشيء.
وقوله: {ثُمَّ الله يُنشِىءُ [النشأة] الآخرة} . يعني البعث بعد الموت.
ومن مده جعله اسماً في موضع المصدر كما قالوا: (عطاء) في موضع:"إعطاء".
ولم يمد جعله مصدراً جرى على غير المصدر لأنه لو جرى على المصدر لقال ينشئ الإنشاء الآخر . ولكنه على تقدير: ثم الله ينشئ الخلق بعد موتهم فينشئون النشأة الآخرة .
{إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: إن الله على إنشاء جميع خلقه بعد فنائه كهيئته قبل ذلك قادر ، لا يعجزه شيء أراده . وقيدر أبلغ من قادر.
ثم قال تعالى: {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} أي: يعذّب من يشاء ممن سبق له الشقاء ، ويرحم من يشاء ممن سبق له السعادة ، وإليه تردون.
وقيل: يعذب من يشاء ممن يستحق العذاب ، ويرحم من يشاء ممن يستحق الرحمة . ثم قال: {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء} أي: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا أهل السماء بمعجزين في السماء ، أي: ليس يفوت الله أحد . وقيل: المعنى: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها.
وقال المبرد: التقدير: ولا من في السماء ، على أن تكون (من) نكرة ، وفي السماء من نعتها ، ثم أقام النعت مقام المنعوت.