يَقُولُ: نِعْمَ جَزَاءُ الْعَامِلِينَ بِطَاعَةِ اللَّهِ هَذِهِ الْغُرَفُ الَّتِي يُثَوِّيهُمُوهَا اللَّهُ فِي جَنَّاتِهِ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ {الَّذِينَ صَبَرُوا} عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ فِي الدُّنْيَا، وَمَا كَانُوا يَلْقَوْنَ مِنْهُمْ، وَعَلَى الْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَمَا يُرْضِيهِ، وَجِهَادِ أَعْدَائِهِ {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} فِي أَرْزَاقِهِمْ وَجِهَادِ أَعْدَائِهِمْ، فَلَا يَنْكِلُونَ عَنْهُمْ ثِقَةً مِنْهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ مُعْلِي كَلِمَتِهِ، وَمُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ، وَأَنَّ مَا قَسَمَ لَهُمْ مِنَ الرِّزْقِ فَلَنْ يَفُوتَهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ، وَبِرَسُولِهِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَاجِرُوا وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَعْدَاءَهُ، وَلَا تَخَافُوا عَيْلَةً وَلَا إِقْتَارًا، فَكَمْ مِنْ دَابَّةٍ ذَاتِ حَاجَةٍ إِلَى غِذَاءٍ وَمَطْعَمٍ وَمَشْرَبٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا، يَعْنِي: غِذَاءَهَا لَا تَحْمِلُهُ، فَتَرْفَعُهُ فِي يَوْمِهَا لِغَدِهَا لِعَجْزِهَا عَنْ ذَلِكَ {اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} يَوْمًا بِيَوْمٍ {وَهُوَ السَّمِيعُ} لِأَقْوَالِكُمْ: نَخْشَى بِفِرَاقِنَا أَوْطَانَنَا الْعَيْلَةَ {الْعَلِيمُ} مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، وَمَا إِلَيْهِ صَائِرٌ أَمْرُكُمْ، وَأَمْرُ عَدُوِّكُمْ مِنْ إِذْلَالِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، وَنُصْرَتِكُمْ عَلَيْهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِكُمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ خَلْقِهِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ،" {وَكَأَيَّنٍ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا} قَالَ: الطَّيْرُ وَالْبَهَائِمُ لَا تَحْمِلُ الرِّزْقَ"
عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، قَالَ:"مِنَ الدَّوَابِّ مَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدَّخِرَ لِغَدٍ، يُوَفَّقُ لِرِزْقِهِ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى يَمُوتَ"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) }