ثم لم يتنعم في ذلك غير ثمان سنين.
ثم اغتيل، ونسي تدبير العقل، فقتل ومضى إلى الآخرة على أقبح حال. وكان المتنبي يقول:
وفي الناس من يرضى بميسور عيشه ... ومركوبه رجلاه والثوب جلده
ولكن قلباً بين جنبي ما لهمدي ... ينتهي بي في مراد أحدّه
يرى جسمه يكسي شفوفاً تربّه ... فيختار أن يكسى دروعاً تهدّه
فتأملت هذا الآخر فإذا نهمته فيما يتعلق بالدنيا فحسب.
ونظرت إلى علو همتي فرأيتها عجباً. وذلك أنني أروم من العلم ما أتيقن أني لا أصل إليه، لأنني أحب نيل كل العلوم على اختلاف فنونها.
وأريد استقصاء كل فن، هذا أمر يعجز العمر عن بعضه.
فإن عرض لي ذو همة في فن قد بلغ منتهاه رأيته ناقصاً في غيره. فلا أعد همته تامة.
مثل المحدث فاته الفقه. والفقيه فاته علم الحديث. فلا أرى الرضى بنقصان من العلوم إلا حادثاً عن نقصه الهمة.
ثم إني أروم نهاية العمل بالعلم، فأتوق إلى ورع بشر، وزهادة معروف، وهذا مع مطالعة التصانيف وإفادة الخلق ومعاشرتهم بعيد.
ثم إني أروم الغني عن الخلق، وأستشرف الإفضال عليهم، والاشتغال بالعلم مانع من الكسب. وقبول المنن مما تأباه الهمة العالية.
ثم إني أتوق إلى طلب الأولاد، كما أتوق إلى تحقيق التصانيف، ليبقى الخلفان نائبين عني بعد التلف. وفي طلب ذلك ما فيه من شغل القلب المحب للتفرد.
ثم إني أروم الاستمتاع بالمستحسنات، وفي ذلك امتناع من جهة قلة المال ثم لو حصل فرق جمع الهمة.
وكذلك أطلب لبدني ما يصلحه من المطاعم والمشارب، فإنه متعود للترفه واللطف، وفي قلة المال مانع، وكل ذلك جمع بين أضداد.
فأين أنا وما وصفته من حال من كانت غاية همته الدنيا.
وأنا لا أحب أن يخدش حصول شيء من الدنيا وجه ديني بسبب.
ولا أن يؤثر في علمي ولا في عملي.
فواقلقي من طلب قيام الليل، وتحقيق الورع مع إعادة العلم، وشغل القلب بالتصانيف. وتحصيل ما يلائم البدن من المطاعم.
وواأسفي على ما يفوتني من المناجاة في الخلوة مع ملاقاة الناس وتعليمهم.
ويا كدر الورع مع طلب ما لا بد منه للعائلة.
غير أني قد استسلمت لتعذيبي، ولعل تهذيبي في تعذيبي، لأن علو الهمة تطلب المعالي المقربة إلى الحق عز وجل.
وربما كانت الحيرة في الطلب غليلاً إلى المقصود. وها أنا أحفظ أنفاسي من أن يضيع منها نفس في غير فائدة.
وإن بلغ همي مراده ... وإلا فنية المؤمن أبلغ من عمله.
(فصل مغالطة النفس ليتم العيش)