إذن: مَنِ الفائز في حكومة قاضيها الحق - تبارك وتعالى - وأطراف الخصومة فيها محمد وقومه؟ فاز رسول الله في أن يكون الله هو الشهيد ، وخسر الكافرين حين كفروا به ، ولم تكْفِهم البينة التي جاءتهم في القرآن الكريم .
وعِلْم الله للغيب ليس علاجاً ومذاكرة ليعلم ، إنما تأتي الأمور بتوقيت منه قديم أزلاً ، والعالم يظهر على وَفْق ما يراه أزلاً ؛ لذلك يقول سبحانه: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82] .
أي: يقول للشيء ، فكأنه موجود فعلاً ينتظر الأمر من الله بالظهور للناس ، فقوله (كُنْ) للظهور فقط ، أما مسألة الخَلْق فمنتهية أزلاً ، و (الماكيت) موجود ، فالحق سبحانه يعلم غَيْب السماوات والأرض ، أما نحن فلا نعلم حتى غَيْب أنفسنا .
ويقول سبحانه: {يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى} [طه: 7] فهل هناك أخفى من السر؟ قالوا: السر ما تُسِرُّه في نفسك ، والأخفى منه أنْ يعلمه سبحانه قبل أن يكون في نفسك .
وقد وقف البعض عند قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [النور: 29] وقوله سبحانه: {يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} [الأنبياء: 110] .
يقولون: ما وجه امتنان الله بعلم الجهر من القول ، وبعِلْم ما نُبدي ، فهذا شيء غير مستور يعرفه الجميع؟
ونقول: افهم عن الله مراده ، فالمعنى لم يقُلْ سبحانه: أعلم ما تبدي أنت ، ولا ما تجهر به أنت ، إنما ما تبدون كلكم ، وما تجهرون به كلكم ، ولتوضيح هذه المسألة تصوَّر مظاهرة من عدة مئات أو عدة آلاف تختلط بينهم الهتافات والأصوات وتتداخل الكلمات ، بحيث لا تستطيع أن تميز صوت هذا من صوت ذاك .