(قُلْ) أي: للمنكرين لك {كفى بالله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً . .} [العنكبوت: 52] أي: حسبي أن يشهد الله لي بأنِّي بلّغْتُ ، فشهادتكم عندي لا تنفع ، كما أنه لا ينفعني إيمانكم ، ولا يضرني كفركم ، فأجري آخذه من ربي على مجرد البلاغ وقد بلَّغْتُ ، وشهد الله لي بذلك .
وفي موضع آخر يقول سبحانه: {وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ...} [الرعد: 43] أي: أنكم لم تكتفوا بالآيات ، ولم تؤمنوا بها ، لكني أكتفي برب هذه الآيات شهيداً بيني وبينكم ، إذن: هناك خصومة في البلاغ بين محمد صلى الله عليه وسلم وقومه الذين يُكذِّبونه في البلاغ عن ربه .
فلا بُدَّ إذن من فَصْل في هذه الخصومة ، وإذا ما نظرنا إلى قضايا الخَلْق في الخصومات وجدنا إمَّا أنْ يُقر المتهم ، وإما أن يشهد شاهد حَقٍّ لا شاهد زور ، ثم يعرض الأمر على القاضي ليحكم بالشهادة أو البينة .
ولا بُدَّ في القاضي ألاّ يكون صاحب هوى ، ثم يأتي دور تنفيذ الحكم ، وهي السلطة التنفيذية ، وهذه أيضاً ينبغي ألاَّ يكون لها هوى ، فتنفذ الحكم على حقيقته ، فكأن الخصومات عند البشر تمرُّ بمراحل متعددة ، وقد تتميع الحقائق إذا لم تتوفر الشروط اللازمة لهذه الأطراف ، فلو شهد الشاهد زوراً أو مال القاضي أو المنفِّذ للحكم ودلَّس في التنفيذ لانقلبت المسائل .
أما في حكومة الحق - سبحانه وتعالى - في الخصومة بين محمد وقومه ، فكفى به سبحانه حاكماً وقاضياً ومُنفِّذاً ، لماذا؟ لأنه سبحانه: {يَعْلَمُ مَا فِي السماوات والأرض ...} [العنكبوت: 52] .
فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، يعلم السر وأَخْفى ، فأيُّ شهادة إذن أعدل من شهادته؟ وهو سبحانه قاضٍ عادل يحكم بالحق ؛ لأنه ليس له سبحانه هوىً يميل به إلى الباطل ، وهو سبحانه لا يُبدل في تنفيذ الأحكام ؛ لأنه يُنفّذ حكمه هو سبحانه .