وقوله سبحانه {وَمِنْ هؤلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ ...} [العنكبوت: 47] أي: من كفار مكة مَنْ سيأتي بعد هؤلاء ، فيؤمن بالقرآن {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الكافرون} [العنكبوت: 47] الجحد: إنكار متعمد ؛ لأن من الإنكار ما يكون عن جهل مثلاً ، والجحد يأتي من أن النِّسب إما نفي ، وإما إثبات ، فإنْ قال اللسان نسبة إيجاب ، وفي القلب سَلْب أو قال سلب وفي القلب إيجاب ، فهذا ما نُسمِّيه الجحود .
لذلك يُفرِّق القرآن بين صيغة اللفظ ووجدانيات اللفظ في النفس ، واقرأ مثلاً قول الله تعالى:
{إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله . .} [المنافقون: 1] وهذا منهم كلام طيب وجميل {والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ...} [المنافقون: 1] أي: أنه كلام وافق علم الله ، لكن {والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] فكيف يحكم الحق عليهم بالكذب ، وقد قالوا ما وافق علم الله؟
نقول: كلام الله يحتاج إلى تدبُّر لمعناه ، فالحق يحكم عليهم بأنهم كاذبون ، لا في قولهم: إنك لرسول الله ، فهذه حق ، بل في شهادتهم ؛ لأنها شهادة باللسان لا يوافقها اعتقاد القلب ، فالمشهود به حق ، لكن الشهادة كذب .
لكن ، لماذا خَصَّ الكافرين في مسألة الجحود؟ قالوا: لأن غيرالكافر عنده يقظة وجدان ، فلا يجرؤ على هذه الكلمة ؛ لأنه يعلم أن الله تعالى لا يأخذ الناس بذنوبهم الآن ، إنما يُؤجِّلها لهم ليوم الحساب ، فهذه المسألة تحجزهم عن الجحود .
وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)