إذن: تميَّز صلى الله عليه وسلم على إخوانه الرسل بأن كتابه هو عَيْن معجزته وسبق أنْ قلنا: إن الحق - تبارك وتعالى - يجعل المعجزة من جنس ما نبغ فيه القوم ، فلو تحداهم بشيء لا عِلْم لهم به لقالوا: نحن لا نعلم هذا ، فكيف تتحدّانا به؟ والعرب كانوا أهل فصاحة وبيان ، وكانوا يقيمون للقوْل أسواقاً ومناسبات ، فتحداهم بفصاحة القرآن وبلاغته أنْ يأتوا بمثله ، ثم بعشر سُور ، ثم بسورة واحدة ، فما استطاعوا ، والقرآن كلام من جنس كلامهم ، وبنفس حروفهم وكلماتهم ، إلا أن المتكلم بالقرآن هو الله تعالى ؛ لذلك لا يأتي أحد بمثله .
والقرآن أيضاً كتاب يهيمن على كل الكتب السابقة عليه ، يُبقي منها ما يشاء من الأحكام ، ويُنهِي ما يشاء . أما العقائد فهي ثابتة لا نسخَ فيها ، وأيضاً لا نسخَ في القصص والأخبار .
والنسْخ لا يتأتى إلا في التشريع بالأحكام افعل ولا تفعل ، ذلك لأن التشريع يأتي مناسباً لأدواء البيئات المختلفة .
لذلك كان بعض الرسل يتعاصرون كإبراهيم ولوط ، وموسى وشعيب ، عليهم السلام ، ولكل منهم رسالته ؛ لأنه متوجه إلى مكان بعينه ليعالج فيه داءً من الداءات ، في زمن انقطعت فيه سُبُل الالتقاء بين البيئات المختلفة ، فالجماعة في مكان ربما لا يَدْرون بغيرهم في بيئة مجاورة .
أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد جاء - كما يعلم ربه أَزَلاً - على موعد مع التقاء البيئات وتداخُل الحضارات ، فالحدث يتم في آخر الدنيا ، نعلم به ، بل ، ونشاهده في التوِّ واللحظة ، وكأنه في بلادنا . إذن: فالداءات ستتحد أيضاً ، وما دامت داءات الأمم المختلفة قد اتحدتْ فيكفي لها رسول واحد يعالجها ، ويكون رسولاً لكل البشر .