وكلمة {بالتي هِيَ أَحْسَنُ ...} [العنكبوت: 46] وردت في القرآن ، لكن في غير الجدل في الدين ، وردت في كل شيء يُوجب جدلاً بين أُناس ؛ وذلك في قوله سبحانه: {ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] .
وقد جاءني رجل يذكر هذه الآية ، وما يترتب على الإحسان ، يقول: عملتُ بالآية فلم أجد الولي الحميم؟ قلت له: كوْنك تحمل هذا الأمر في رٍأسك دليل على أنك لم تدفع بالتي هي أحسن ؛ لأن الله تعالى لا يقرر قضية قرآنية ، ويُكذِّبها واقع الحياة ، فإنْ دفعتَ بالتي هي أحسن بحقٍّ لا بُدَّ وأنْ تجد خَصْمك كأنه وليٌّ حميم .
لذلك يقول أحد العارفين:
يَا مَنْ تُضَايِقه الفِعَالُ مِنَ التِي وَمنَ الذِي ... ادْفَعْ فديْتُكَ بالتي حتَّى تَرى فإذَا الذي
والمعنى: من التي تسيء إليك ، أو الذي يسيء إليك {ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ ...} [فصلت: 34] حتى ترى {فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] .
وأذكر أنه جاءني شاب يقول: إن عمي مُوسِر ، وأنا فقير ، وهو يتركني ويتمتع بماله غيري ، فقلت له: بالله أتحب النعمة عند عمك؟ فسكت ، قلت له: إذن أنت لا تحبها عنده ، لكن اعلم أن النعمة تحب صاحبها أكثر من حُبِّ صاحبها لها ؛ لذلك لا تذهب إلى كارهها عند صاحبها .
فما عليك إلا أنْ تثوب إلى الحق ، وأنْ تتخلص مما تجد في قلبك لعمك ، وثِقْ بأن الله هو الرزاق ، وإنْ أردتَ نعمة رأيتها عند أحد فأحببها عنده ، وسوف تأتيك إلى بابك ، لأنك حين تكره النعمة عند غيرك تعترض على قدر الله .