{وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ} أي إلاّ بالخصلة التي هي أحسن ، وذلك على سبيل الدعاء لهم إلى الله عزّ وجلّ والتنبيه لهم على حججه وبراهينه رجاء إجابتهم إلى الإسلام ، لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة {إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} بأن أفرطوا في المجادلة ولم يتأدّبوا مع المسلمين فلا بأس بالإغلاظ عليهم والتخشين في مجادلتهم ، هكذا فسر الآية أكثر المفسرين بأن المراد بأهل الكتاب: اليهود والنصارى.
وقيل: معنى الآية: لا تجادلوا من آمن بمحمد من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وسائر من آمن منهم {إلاّ بالتي هي أحسن} يعني: بالموافقة فيما حدّثوكم به من أخبار أهل الكتاب ، ويكون المراد بالذين ظلموا على هذا القول هم: الباقون على كفرهم.
وقيل: هي الآية منسوخة بآيات القتال ، وبذلك قال قتادة ، ومقاتل.
قال النحاس: من قال: هذه منسوخة ، احتج بأن الآية مكية ، ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض ، ولا طلب جزية ولا غير ذلك.
قال سعيد بن جبير ومجاهد: إن المراد بالذين ظلموا منهم: الذين نصبوا القتال للمسلمين فجدالهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية {وَقُولُواْ ءَامَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا} من القرآن {وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} من التوراة والإنجيل ، أي آمنا بأنهما منزلان من عند الله ، وأنهما شريعة ثابتة إلى قيام الشريعة الإسلامية والبعثة المحمدية ، ولا يدخل في ذلك ما حرّفوه وبدّلوه {وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ} لا شريك له ولا ضدّ ولا ندّ {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي ونحن معاشر أمة محمد مطيعون له خاصة ، لم نقل: عزير ابن الله ، ولا المسيح ابن الله ، ولا اتخذنا أحبارنا ورهباننا أرباباً من دون الله ، ويحتمل أن يراد: ونحن جميعاً منقادون له ، ولا يقدح في هذا الوجه كون انقياد المسلمين أتمّ من انقياد أهل الكتاب وطاعتهم أبلغ من طاعاتهم.