ويعقب على هذا القصص بمثل يضربه لهوان القوى المرصودة في طريق دعوة الله ، وهي مهما علت واستطالت {كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً. وإن أوهن البيتوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} .
وينتهي هذا الشوط بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتلو الكتاب ، وأن يقيم الصلاة ، وأن يدع الأمر بعد ذلك لله {والله يعلم ما تصنعون} ..
{ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ، فأخذهم الطوفان وهم ظالمون. فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين} ..
والراجح أن فترة رسالته التي دعا فيها قومه كانت ألف سنة إلا خمسين عاماً. وقد سبقتها فترة قبل الرسالة غير محددة ، وأعقبتها فترة كذلك بعد النجاة من الطوفان غير محددة. وهو عمر طويل مديد ، يبدو لنا الآن غير طبيعي ولا مألوف في أعمار الأفراد. ولكننا نتلقاه من أصدق مصدر في هذا الوجود وهذا وحده برهان صدقه فإذا أردنا له تفسيراً فإننا نستطيع أن نقول: إن عدد البشرية يومذاك كان قليلاً ومحدوداً ، فليس ببعيد أن يعوض الله هذه الأجيال عن كثرة العدد طول العمر ، لعمارة الأرض وامتداد الحياة.
حتى إذا تكاثر الناس وعمرت الأرض لم يعد هناك داع لطول الأعمار. وهذه الظاهرة ملحوظة في أعمار كثير من الأحياء. فكلما قل العدد وقل النسل طالت الأعمار ، كما في النسور وبعض الزواحف كالسلحفاة. حتى ليبلغ عمر بعضها مئات الأعوام. بينما الذباب الذي يتوالد بالملايين لا تعيش الواحدة منه أكثر من أسبوعين. والشاعر يعبر عن هذه الظاهرة بقوله:
بغاث الطير أكثرها فراخاً... وأم الصقر مقلاة نزور