وجملة قوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تعليل لما قبلها؛ لأن قدرته لذاته، ونسبة ذاته إلى كل الممكنات على حد سواء، فيقدر على النشاة الأخرى، كما قدر على النشأة الأولى، فمن علم قدرته تعالى على جميع الأشياء التي منها النشاة الآخرة، لا يتصور أن يتردد في وقوع الإعادة بعدما أخبر الله به.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: {النشآءة} هنا، وفي النجم والواقعة على وزن فعالة، وباقي السبعة النشأة على وزن فعلة، وهما كالرآفة والرأفة وهما لغتان، والقصر أشهر، وفي الآية الأولى صرح سبحانه باسمه في قوله: {كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ} ثم أضمر في قوله: {ثُمَّ يُعِيدُهُ} وهنا عكس أضمر في بدأ، ثم أبرزه في قوله: {ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ} حتى لا تخلو الجملتان من صريح اسمه، ودل إبرازه هنا على تفخيم النشأة الآخرة وتعظيم أمرها، وتقرير وجودها إذ كان نزاع الكفار فيها، فكأنه قيل: ثم ذلك الذي بدأ الخلق هو الذي ينشأ النشأة الآخرة، فكان التصريح باسمه أفخم في إسناد النشأة إليه.
وحاصل معنى الآية: أي سيروا في الأرض وشاهدوا السماوات وما فيها من الكواكب النيِّرة ثوابتها وسياراتها، والأرض، وما فيها من جبال ومهاد وبراري وقفار وأشجار وثمار وأنهار وبحار، فكل ذلك شاهد على حدوثها في أنفسها، وعلى وجود صانعها الذي يقول للشيء كن فيكون، أوليس من فعل هذا بقادر على أن ينشئه نشأة أخرى، ويوجده مرة ثانية. وهو القادر على كل شيء، وشبيه بالآية قوله في الآية الأخرى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} .
21 -ولما أقام الدليل على الإعادة، رتب عليها ما سيكون بعدها، فقال: {يُعَذِّبُ} سبحانه بعد النشأة الآخرة {مَنْ يَشَاءُ} ويريد تعذيبه من الكفار والعصاة، {وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ} رحمته من المؤمنين به، المصدقين لرسله، العاملين بأوامره ونواهيه، وتقديم التعذيب لما أن الترهيب أنسب بالمقام من الترغيب؛ لأن الكلام مع الكفار مكذبي الرسل. {وَإِلَيْهِ} تعالى لا إلى غيره {تُقْلَبُونَ} ؛ أي: تردون بالبعث، فيفعل بكم ما يشاء من التعذيب والرحمة، مجازاة على أعمالكم.