فيقال لهم: ليس الأمر في هذا على ما توهمتم، وذلك أن الله سبحانه هو الذي رتبه كذلك، ورسوله صلّى الله عليه على ما بيناه من قبل وما سنوضّحه فيما بعد، فأما ظنّكم أن هذا بتر للكلام وإفساد له فإنّه جهل وذهاب عن معرفة فضل الفصاحة والقدرة على التصرف في الكلام، لأنّ أهل اللغة يعدّون هذا الباب من ضروب الفصاحة والبلاغة والقدرة على
التبسط في الكلام، والخروج عنه إلى نعت ما يعرض فيه ووصفه، ثم العود إليه على وجه غير مستهجن ولا مستثقل، ويصفون من صنع ذلك في خطبته وشعره بالاقتدار على الكلام.
ويسمّون هذا النمط في الشّعر الاستطراد، ومعنى ذلك أن يكون في وصف شيء ونعته فيعرض عن ذكره إلى ذكر غيره الذي عرض ذكره فيما كان فيه، أو لم يعرض ثم يعود إلى صفة ما كان فيه واستيفاء ما قصده عن الإخبار عن معانيه بالكلام السهل والرجوع المسلسل المتناسب، ويسمّونه الالتفات، وهو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار وغير ذلك من الالتفات، وهو الخروج من معنى يكون فيه إلى معنى آخر، وليس يقدر على مثل ذلك كلّ فصيح لسن حتى يكون ذلك مع فصاحته قادرا منبسطا في الكلام، لأنّ إتمام القصة وحكايتها إذا طالت ربما تعذّر نظمه على وجه الفصاحة والبراعة على أهل البلاغة واللسن، وربما احتاجوا في ذلك إلى تكلّف شديد مختلف فيه كلامهم، حتى يكون منه الجزل الرصين، ومنه اللين الخفيف، وكيف بالخروج عن قصة إلى غيرها ثم العود إليها، لأنّ ذلك أشدّ وأصعب عند كل متكلم بلغة، ومتعاط لنظم حكايات السير والقصص وضروب الأمثال، ومحاولة البلاغة في الكلام، وهذا النمط من الخروج عن كلام إلى غيره وما ليس من معناه ولا مما قصد بافتتاح الكلام ثم العود إلى ما ابتدأ بالكلام فيه وقصد إليه كثير معروف، ومن الاستطراد قول حسان بن ثابت رحمه الله:
إن كنت كاذبة التي حدثتني ... فنجوت، منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبّة أن يقاتل عنهم ... ونجا برأس طميرة ولجام
وقد علم أنّ حسان لم يقصد بابتداء الكلام والتحذير من الكذب في الحديث إلى ذكر هرب الحارث بن هشام وفشله وتعييره به، وإنّما قصد شيئا غير ذلك، وإن كان قد أدخله في كلامه، وخرج به عما ابتدأ الكلام لأجله، وقال أبو تمام الطائي:
صبّ الفراق علينا صبّ من كثب ... عليه إسحاق بعد الروع منتقما